اسطنبول | حظيت حكومة رجب طيب اردوغان منذ سنوات بدعم أميركي وأوروبي غير محدود في جميع المجالات، وهو ما ساعدها أولاً على التخلص من المؤسسة العسكرية؛ الخطر الأهم، لكن على المستوى الداخلي والعلاقة مع دول الجوار اصبحت المسألة أكثر حساسية، وخصوصاً بعد حملات فاشلة لترويج النموذج الإسلامي التركي على دول عربية، انتهى بالازمة السورية وتداعياتها على تركيا.

كان الحصول على دعم اقتصادي ومالي كبير كافياً لانعاش الاقتصاد التركي بما يضمن استمرار الدعم الشعبي لحكومة اردوغان، بعدما خصخصت جميع مؤسسات القطاع العام، فتحقق لها دخل وصل إلى ١٥٠ مليار دولار. وساهم الانفتاح التركي على الدول العربية والإسلامية منذ تسلّم حزب العدالة والتنمية السلطة نهاية عام ٢٠٠٢ في المشروع الأميركي ــ الغربي لتسويق النموذج التركي، وخصوصاً بعد التقارب المميز بين أنقرة وكل من دمشق وبغداد وطهران وبيروت وباقي عواصم المنطقة، على الرغم من جميع تناقضاتها المعروفة، التي نجحت تركيا في تجاوزها بسهولة.
هذا التطور ضمن لأنقرة انتخاب البروفسور أكمل الدين إحسان أوغلو، أميناً عاماً لمنظمة المؤتمر الإسلامي والمشاركة في القمم العربية. مشاركة تعززت خصوصاً بعد مواقف اردوغان المتضامنة مع حركة حماس في فلسطين، وضد الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في مؤتمر دافوس عام 2009، وأخيراً موضوع سفينة «مافي مرمرة».
ولأن اردوغان ذو أصول وجذور إسلامية، فهو يريد لتجربته الإسلامية السنيّة أن تكون نموذجاً لكل الأحزاب والجماعات الإسلامية، وبالتالي للشعوب العربية والإسلامية التي كانت جزءاً من الامبراطورية العثمانية التي يبدو انه يسعى إلى إحيائها دينياً وسياسياً واقتصادياً، مهما كانت التسمية.
لقد بدأ الرجل مسعاه هذا من خلال محاولته إقناع الرئيس السوري بشار الأسد، بالسماح للإخوان المسلمين بالعمل السياسي الحر، وهو ما أعلنه الأسد فيما بعد. ساعده في ذلك الأمير القطري حمد بن خليفة آل ثاني، الذي نجح هو الآخر في إقناع الأسد بأنه صديق وحليف استراتيجي له. وجاء الربيع العربي ليفتح صفحة جديدة في المسعى الآردوغاني، ولا سيما بعدما فشل في إقناع الأسد بموضوع الإخوان المسلمين، وحينما وصل الإخوان الى السلطة في كل من مصر وتونس وليبيا بضوء أخضر أميركي، ساهم ذلك في دعم الدور التركي الإقليمي، أولاً من خلال تسويق التجربة الديموقراطية الإسلامية للإسلاميين العرب.
وجاء الصمود السوري في وجه المشروع التركي ـ الإقليمي ـ الدولي ليضع آردوغان أمام حسابات معقدة على الصعيدين الداخلي والخارجي؛ داخلياً أثبتت جميع استطلاعات الرأي المستقلة أن٨٠ في المئة من الشعب التركي ضد سياسات آردوغان في سوريا والمنطقة، وخصوصاً بعدما اتّخذت طابعاً مذهبياً وطائفياً.
فالمجتمع التركي الذي تربى على الثقافة الأتاتوركية العلمانية الغربية بكل سلبياتها وإيجابياتها، لن يكون كالمجتمعات العربية، وخاصة الخليجية منها، التي لا يتقبلها أي مواطن تركي، كما لا يمكن المجتمع التركي أن يتأقلم مع المجتمع المصري، معقل الإخوان المسلمين الحليف العقائدي الاستراتيجي لآردوغان. في المقابل لن تقبل النخب الدينية العربية النموذج التركي عقائدياً، طالما أن آردوغان ليس برجل دين، كما أن «العدالة والتنمية «التركي يفتقر إلى النخب الدينية الموجودة بكثافة في التيار الإسلامي في مصر أو تونس وباقي الدول العربية. فضلاً عن عدم قبول الكثيرين من التيارات السلفية والجهادية وتنظيم القاعدة النموذج التركي.
ربما هذه الذهنية هي التي دفعت وتدفع آردوغان الى المزيد من التنافس مع إيران، التي تريد واشنطن لدول الخليج السنية أن تتصدى لها.
الأميركي اراد بذلك دعم الدور التركي الذي لم يتأخر في تبني القضية الفلسطينية ضمن المشروع التركي الإقليمي، واكتسب أهمية إضافية بإخراج حماس من دمشق وإبعادها عن طهران، ووضعها تحت الوصاية التركية- المصرية الإخوانية.
وصاية يريد لها آردوغان أن تمتد لتشمل كل الإخوان في العالم الغربي والإسلامي، انطلاقاً من المغرب حتى باكستان، بل حتى ماليزيا وإندونيسيا واسلاميي آسيا الوسطى والقوقاز من أصول تركيا.
ولم يخطر على بال رئيس الحكومة التركية أن لكل دولة وحزب وجماعة رأيها وحساباتها الخاصة سياسياً كان أم عقائدياً. وهو ما يمنع تحقيق الحلم التركي الآردوغاني العثماني.
على الصعيد التركي، لا يعني ولاء 50 في المئة من الشعب التركي لحزب العدالة والتنمية أنهم جميعاً مع الطرح الإسلامي، فهناك نسبة ممن صوتوا في الانتخابات للحزب ذي الجذور الاسلامية، من ذوي الميول العلمانية اجتماعياً، ولا يرضون بالنمط الاجتماعي، الذي يسعى آردوغان إلى فرضه عليهم، رغم رضاهم عليه شخصياً بسبب نجاحاته الاقتصادية.
لقد جاءت أحداث تقسيم بانعكاسها على جميع المدن التركية لتثبت فشل المشروع الآردوغاني، الذي أثبت المواطنون من خلال التظاهرات أنهم لا ولن يقبلوه طالما أنه بات يهدد حرياتهم الفردية ونمط حياتهم اليومية.
هذا الأمر أثار رد فعل وغضب آردوغان، لأنه في حال انتصار إرادة المواطنين فإن مشروع أسلمة الدولة والمجتمع سيواجه عراقيل جدية ستنعكس على نجاح أو فشل المشروع الإقليمي للرجل.
أمام هذه التطورات، بدا الكثيرون في العالمين العربي والإسلامي، أولئك المحسوبون على الليبراليين والمستقلين ودعاة الديموقراطية، يطرحون العديد من التساؤلات عن صدقية الديموقراطية التركية التي طبّلوا وزمّروا لها كثيراً بإملاءات أميركية وغربية معروفة مسبقاً.
وبدا واضحاً وباعتراف العواصم الغربية الحليفة له أن آردوغان لا ولن يحترم أبسط الحقوق الديموقراطية لمن ليسوا منه أو رفضوا ويرفضون أن يكونوا كما هو يريد لهم أن يكونوا.
فعمدة مدينة اسطنبول السابق الذي كسب شعبيته منذ كان في هذا المنصب، يحلم وإخوانه المسلمون في مصر وليبيا وتونس اليمن بالتخلص من جميع معارضيهم العلمانيين والليبراليين والمستقلين، حتى يتسنى لهم أسلمة الدولة والمجتمع، الذي سيبقى حينها مبايعاً لهم وفق الشريعة الإسلامية.
هذه السياسة لا تنطبق على بلد يعيش فيه نحو ١٥ مليون كردي، وعدد مماثل من العلويين، إضافة إلى أقليات يهودية وأرمينية ومسيحية. لذلك اصطدم آردوغان بواقع المجتمع التركي، الذي أثبت من خلال تظاهرات تقسيم أنه لا ولن يكون مبايعاً لآردوغان، وحتى إن جاء الى الحكم بغالبية ٤٩ في المئة في الانتخابات البرلمانية المقبلة. لعل ما يوضح عدم علاقة صناديق الاقتراع بحقيقة التمثيل هو ما قاله رئيس الجمهورية عبد الله غول، أن صناديق الاقتراع لا تعني دائماً الديموقراطية.