أنطاكيا | «لهون لاحقينّا، هربنا من القصف والدمار في سوريا، حتى بأنطاكيا ما عاد في أمان»، كلمات تختصر معاناة السوريين الذين هَجروا بيوتهم نتيجة للقصف والدمار والتنكيل ليجدوا أنفسهم ثانية أمام السيناريو الذي هربوا منه.


لقد تأثرت المناطق التركية المحاذية لسوريا، حيث تسود اللغة العربية، بالنزوح السوري في ما يتعلق بالعمالة التي انتشرت في تلك المناطق، وذلك لعاملين رئيسين، أولهما أن الانتشار الكبير للسوريين فرض على أصحاب المهن والمحال إيجاد من يجيد التواصل معهم بلغتهم، والثاني أن أجرة العامل السوري تكاد تصل إلى ربع أجرة العامل التركي في بعض الأحيان.

احتقان الشارع

هذا العامل أدى، مع مجموعة عوامل أخرى، إلى احتقان الشارع التركي تجاه حكومة رجب طيب أردوغان، التي منحت السوريين كل هذه التسهيلات، بينما اعتبرها بعض الأتراك المعارضين فرصة لإيجاد بوابة لتحقيق مكسب سياسي عن طريق إطاحة اعتلاء حزب العدالة والتنمية عرش الحياة السياسية في تركيا.
طبعاً قبيل انفجارات الريحانية بأيام حصلت حالة عنف ضد السوريين وإحراق لسياراتهم في هذه البلدة القريبة من الحدود مع سوريا، وذلك على خلفية قيام شخص بإحراق العلم التركي في حالة احتجاج. وتضاربت الآراء حول سبب حرق العلم، ولكن الأمر الثابت أن أياً من أهالي الريحانية لم يتعرف إلى الشاب الذي أحرق العلم أو الشبان الذين سببوا الأضرار بالسيارات التي تحمل لوائح مرورية سورية.
بعد هذه الحادثة بأيام جاءت تفجيرات الريحانية، التي أودت بحياة 51 شخصاً، غالبيتهم من الأتراك والبقية من النازحين السوريين.

فظاظة مع السوريين

ومع تضخيم الإعلام المحلي في إقليم هاتاي لأعداد الضحايا، راح معظم الأتراك يتعاملون بشيء من الفظاظة مع السوريين قابلها خوف وحذر من قبل السوريين، حتى إنهم راحوا يخفون سياراتهم خشية تعرضها للأذى.
هذا من ناحية، أما من الناحية الثانية فقد عمد بعض أطراف المعارضة إلى تسويق شائعات هدفها إطاحة شعبية أردوغان أولاً وأخيراً.
جليلة سيدة خمسينية تقطن في أنطاكيا عاصمة إقليم هاتاي (لواء الإسكندرون)، تبدي تعاطفاً شديداً مع جيرانها السوريين الذين غزوا الحارة التي تعيش فيها، ذلك أن ولدها الذي يعمل في شركة سياحية كان ضمن مهمة عمل إلى اللاذقية حين تم اعتقاله على أيدي أجهزة الأمن السورية بتهمة التجسس وأودع السجون لمدة شهرين، وأفرج عنه بعد أن دفع ذووه 35 ألف ليرة تركية مقابل تركه حراً طليقاً.
تقول جليلة عن تظاهرات المعارضة التركية: «لا يوجد مبرر لتظاهرهم، أردوغان هو أفضل حاكم مرّ على تركيا. يكفي أنه سمح بدروس القرآن في المساجد بعد أن كنّا محرومين منها قبله، كما أنه حسّن وضع الخدمات في أنطاكيا بعد إهمال طويل من قبل الحكومات التي جاءت قبله. إنهم فقط يريدونه أن يخسر الانتخابات. إنهم منزعجون بسبب فتحه حدود تركيا للسوريين. هم لا يريدون حليفهم الأسد أن يسقط».
وعمّا إذا كان هناك تأثير لهذه الاحتجاجات على السوريين الموجودين في تركيا، تقول جليلة «لا أتوقع ذلك، فالشعب التركي بطبيعته مضياف ومحبّ للخير. من الممكن أن يكون قد اتخذ موقفاً في البداية، خاصة في المناطق الحدودية التي هي على الحدود مع سوريا، كالريحانية وألتونوز وأنطاكيا، والذين هم على اطلاع تماماً على ما يجري في سوريا ولا يريدون لتركيا مصيراً مشابهاً». وتضيف أن «سكان هذه المناطق لا يستطيعون النوم ليلاً أحياناً بسبب أصوات القذائف المسموعة من الجهة السورية، ولكنهم يعودون للتعاطف مع مأساتهم».

إهمال رسمي

مواطن تركي، يعمل مدرّساً في معهد يعيش في منطقة محسوبة على المعارضة، يرى أن «الضرائب الباهظة التي فرضتها الحكومة تُتعِب المواطن بنحو كبير، ما دفع الكثير من الشبان إلى العمل خارج مدنهم، وربما الانتقال الى خارج تركيا. كذلك فإن الإهمال الذي يتعرض له الإقليم كبير، بمعنى أن الاهتمام شبه مفقود على كل المستويات، وبعد كل هذا يجيء دور العمالة السورية التي أثرت على العمالة التركية، إذ إن قنوات التلفزيون المحلي تقول إن ما يحدث في سوريا هو مؤامرة، وإن أردوغان يريد أن يعطي إقامات طويلة وربما بطاقات شخصية، وهذا يؤثر علينا كمواطنين.
أما محمد، وهو سوري يسكن أنطاكيا، فيقول: «لقد أعطتنا حكومة أردوغان تسهيلات كثيرة لم يحصل عليها السوريون في أي من دول الجوار، ومن هنا فلا بد من وجود أصابع متآمرة مدسوسة بين السوريين لإثارة البلبلة في المنطقة وتأليب الرأي العام التركي علينا، خاصة بعد أن أصبح وجود العمالة السورية في المجتمع التركي واضحاً، وهي أفضل لأصحاب رؤوس الأموال من ناحية انخفاض أجورهم وعملهم لساعات أطول، ما أثار أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة، إضافة إلى التحريض الإعلامي وبث الشائعات وما شابه. فأجور البيوت على سبيل المثال ارتفعت عمّا كانت عليه سابقاً قبل مجيء السوريين، ولكن رائحة الأصابع الخارجية تفوح من تفجيرات الريحانية وما أعقبها من أحداث. لا أعتقد أن الجانب السياسي يؤدي دوراً كبيراً، المسألة عبارة عن «فورة دم» كردة فعل ، ليس إلا».

خطأ أردوغان

المواطنون الأتراك الذين يقطنون في الريف التركي المتاخم لحدود سوريا في الطرف الآمن (على حدود اللاذقية) ينظرون الى الموضوع من زاوية مختلفة، إذ يقول المدرّس الذي فضل عدم ذكر اسمه: «إن تدخل حكومة أردوغان في الأزمة السورية هو خطأ كبير، وعليه الخروج من هذه الأزمة، وعدم فتح الحدود لتهريب السلاح إلى المسلحين الذين في غالبيتهم ليسوا سوريين. هم يدّعون أنهم يدخلون الجرحى، ولكن الحقيقة أنهم يدخلون السلاح إلى هناك. أردوغان ينفذ أوامر أميركية للنيل من النظام في سوريا، إذ إنه حليف الأميركيين والإسرائيليين ورجلهم في المنطقة».
ويرى أن على اللاجئين السوريين أن يعودوا إلى بلادهم، لأنه ما من خطر يهددهم، قائلاً «بشار الأسد رجل جيد، وعليهم ألا يقعوا في فخ المؤامرة عليه».
ويثني البعض في هذه المنطقة على استقبال «بعض أبنائنا في الجامعات السورية مجاناً»، قائلين «لو طلب إلينا (الأسد) أن نقاتل إلى صفه فلن نتوانى».
ولعلي (سوري يقطن المنطقة ذاتها) رأي مغاير إذ يقول: «أعتقد أن الاعلام المحلي للاقليم، والذي هو مناوئ للحكومة، يبث إشاعات كثيرة ضد ما يحصل في سوريا لكسب الشعب ضد أردوغان. والحقيقة أن هذه الاحتجاجات لم تؤثر على السوريين الموجودين في تركيا، باستثناء ما حصل في الريحانية بعد التفجير الذي أودى بعدد كبير من الأتراك».
يضيف علي أن ما حصل هو «ردّ فعل أصحاب الدم، ولكن بعد أيام عادت الحياة الى طبيعتها ولم أسمع عن حالات طرد للسوريين من العمل إلا من جهة واحدة، علماً بأن شائعة سرت بأن من يشغّل سورياً سيدفع غرامة 7000 ليرة تركية أي 3888 دولاراً أميركياً، ولكنها لم تؤدّ المفعول المطلوب منها، فالشعب هنا طيب ومضياف. هم يقتسمون قوتهم معنا».
أما السوري محمد فيقول: «في البداية خفنا وخبّأنا سياراتنا التي تحمل لوحات مرورية سورية، حتى إن سيارتي تعرضت عجلاتها للتخريب بالسكاكين، ولكن وقوف الجيران إلى جانبي أدخل السكينة إلى نفسي، حتى إنني وجدت رسالة اعتذار من شخص مجهول على واجهة سيارتي. الآن لم يعد هنالك أي توتر، ولا أعتقد أننا مستهدفون كسوريين، ولكنها لعبة لتحقيق مكاسب سياسية، ليس إلا».
إذن فالسوريون ليسوا معنيين بما يجري في تركيا، وهم يعون تماماً أنهم لو تدخلوا فسيكونون الخاسر الوحيد، الأمر الذي يقود إلى تساؤل وهو: «ما دام وجود السوريين ليس مربط الفرس، فالمطلوب هو تغيير وجه الخريطة السياسية لتركيا والمتمثل في حزب العدالة والتنمية وزعيمه. هل شعبية هذا الحزب لا تزال محافظة على مستواها خاصة بعد النهضة الاقتصادية التي شهدتها تركيا خلال حقبته ومع سداد آخر دفعة من ديونه لصندوق النقد الدولي، أم الملف السوري بكل تعقيداته وتداعياته هو المسمار الأخير في نعش هذه المسيرة ؟»، فيما يقول المدرس ابن أرسوز إن «دخول حكومة أردوغان في الأزمة السورية هو خطأ كبير، وأعتقد أنه بدأ يتحول الى ديكتاتور بسبب ما يقوم به من السيطرة على الجيش بعد اعتقال أكثر من 200 ضابط بحجة الانقلاب على الحكومة. بالنسبة إلينا، نحن أكبر المتضررين من سياسته. صحيح أنه سمح بحرية ممارسة الشعائر، ولكن مناطقنا ظلت مهملة وشباننا معظمهم يعملون خارج البلاد. كذلك فإننا لا نريد أن نجد أنفسنا متورطين في حروب لا ناقة لنا فيها ولا جمل. سياسته ستجر علينا الويلات، المعارضة أناس جيدون ونحن نتظاهر كي يأتوا إلى الحكم».
أما أحد المشاركين في التظاهرات ضد الحكومة فيقول: «أعتقد أن الإعلام المحلي في الإقليم، والذي هو مناوئ للحكومة يبث إشاعات كثيرة ضد ما يحصل في سوريا لكسب الشعب ضد أردوغان. ولعل حزب الشعب التركي العلماني هو رأس الحربة في ذلك. الحقيقة أنهم غير مبالين بما يحدث في سوريا، إنما هو استغلال سياسي لكسب الانتخابات».
ويرى أن الاحتجاجات التي تحصل اليوم هي ضمن مفهوم الديموقراطية التي تأسست عليها الجمهورية التركية، والتي لن تتطور الى عنف وذلك لسببين «الأول أن هناك مناطق كثيرة ذات طيف واحد، والثاني أن الديموقراطية التي تحكم تركيا ستذهب الى انتخابات مبكرة في أسوأ الأحوال. لقد قام الإعلام المحلي بتجييش الناس، خاصة بعد تغطية أحداث الريحانية وتضخيمهم لرقم الضحايا، فضلاً عن ادّعائهم أن المنفذين هم من السوريين».
يذكر أحد المواطنين الموالين لأردوغان أن حزب الشعب التركي هو ذاته الحزب الذي يقود التظاهرات ضد أردوغان على خلفية تدخله في الأزمة السورية. ويقول «هو الحزب الذي أرسل واحدة من قنواته لإجراء مقابلة تلفزيونية مع بشار الأسد، فضلاً عن إرساله لطلاب جامعيين إلى سوريا بغية تلميع صورة الأسد، ويتداول البعض مقولات مفادها أن جهات لبنانية تقف وراءها الاستخبارات الإيرانية هي من يدير هذه الاحتجاجات ضد أردوغان».




أردوغان يدعو أنصاره إلى الانتقام

دخل رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان على خط توظيف قاعدته الشعبية في معركته مع المعارضة، داعياً أنصاره الى «تلقينهم درساً» في الانتخابات البلدية المقبلة، بينما واصل آلاف المتظاهرين أمس احتجاجاتهم في ساحة تقسيم في إسطنبول حيث أقيم حفل موسيقي ولقاء سياسي، في اليوم العاشر من الحركة الاحتجاجية المناهضة للحكومة.
وكان عشرات الآلاف من المتظاهرين في إسطنبول وأنقرة وأضنة (جنوب) وأزمير (غرب) أظهروا تصميمهم على التجمع أول من أمس. ووقعت صدامات عنيفة أول من أمس عندما تدخلت الشرطة بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لمنع 10 آلاف متظاهر تجمعوا في وسط أنقرة من التوجه الى البرلمان. كذلك وقعت مواجهات أيضاً في أضنة (جنوب) بعد تظاهرة بين معارضي رئيس الوزراء ومناصريه. من جهته، تحدث رئيس الوزراء أمام آلاف من مناصريه، أولاً في مطار أضنة (جنوب) ثم في حفل تدشين قاعة رياضية في مرسين (جنوب أيضاً)، مندداً بالمعارضين له، وطالباً من أنصاره «أن يلقّنوهم درساً» في الديموقراطية خلال الانتخابات البلدية المقررة العام المقبل.
وطالب أردوغان أنصاره «بعدم السماح لمن يحاولون زرع بذور الشقاق بأن يفعلوا ذلك»، مضيفاً أن المتظاهرين «جبناء الى حدّ شتم رئيس وزراء هذا البلد».
ولدى عودته الى العاصمة أنقرة قال أردوغان أمام الآلاف من أنصاره تجمعوا في المطار، «نحن لا نزال نتحلى بالصبر، إننا نصبر دائماً إلا أن لصبرنا حدوداً».
وووصف المتظاهرين بأنهم «رعاع». ورفض حزب العدالة والتنمية إجراء انتخابات مبكرة. وقال نائب رئيس الحزب حسين جيليك إن الانتخابات المحلية والرئاسية ستجرى في مواعيدها المقررة العام المقبل، وإن الانتخابات العامة ستجرى في 2015.
لكن رئيس بلدية إسطنبول كادير توباس أعرب عن استعداده للتخلي عن بعض أجزاء مشروع تعديل ساحة تقسيم الذي كان وراء اندلاع حركة الاحتجاج. وقال «لا نفكر إطلاقاً في بناء مركز تجاري هناك ولا فندق أو مساكن»، مشيراً الى احتمال تشييد «متحف بلدي.. أو «مركز عروض»، ومؤكداً نية السلطات إعادة بناء الثكنة العثمانية السابقة مكان حديقة غازي. إلا أن التجمع المعارض لمشروع تعديل الساحة رفض عرض الحوار من جانب رئيس البلدية.
(أ ف ب)