رام الله | تمخّض منتدى دافوس المنعقد الأسبوع الماضي فولّد «خطة اقتصادية» جديدة، قدّمها وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، إلى السلطة الفلسطينية. عرض فيها أربعة مليارات دولار من الاستثمارات، من شأنها أن «تزيد الناتج المحلي الفلسطيني بنسبة 50 في المئة خلال ثلاث سنوات»، وأن «تخفض نسبة البطالة بنسبة الثلثين، وتزيد متوسط الرواتب بنسبة أربعين في المئة»، قائلاً إنّ ثمة «خبراء في مجال الأعمال يعملون منذ فترة على جعل المشروع حقيقياً وملموساً وجاهزاً».

ثمّة تسهيلات مالية كثيرة قُدّمت للسلطة منذ زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الأخيرة، لكن خطة كيري تضمّنت هذه المرة بنوداً غير مسبوقة، لطالما كانت إسرائيل تتعنّت بشأنها، مثل «السماح للسلطة باستغلال الفوسفات من البحر الميت، وإعطاؤها حق تطوير حقول الغاز قبالة شواطئ غزة، وتطوير البنى التحتية في المنطقة ج». عروض تبدو مغرية، في ظلّ أزمة مالية خانقة تعانيها السلطة، ولا سيما أن هناك ثروة غازية معقولة قبالة شواطئ غزة، حصلت السلطة على ترخيص باستخراجها عام 1999، ولم يُنفّذ عملياً حتى الآن، عدا عن الأهمية الاستراتيجية للمنطقة ج، التي تحتوي على موارد مائية ضخمة، تسيطر إسرائيل على معظمها.
هكذا قدّم كيري قدّم خطة متكاملة؛ الرّزمة الأميركية ستعمل في اتجاهات ثقافية وإعلامية أيضاً، بهدف «وقف التحريض في وسائل الإعلام وزرع مفاهيم التعاون والسلام». وبحسب إذاعة جيش الاحتلال، فإنّ الخطة لن تكون مرتبطة بالتقدّم السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهي تتضمن أيضاً «إطلاق سراح أسرى ما قبل أوسلو 1993 وتسليم مناطق جديدة للسلطة ووقف طرح عطاءات للاستيطان وخاصة في منطقة القدس».
وفيما انتقدت حركة «حماس» الخطة، معتبرةً إياها «تسويقاً للوهم... وحرقاً للوقت لصالح الكيان الإسرائيلي»، وكذا حذت حذوها الجهاد الإسلامي وأحزاب اليسار، سارعت السلطة الفلسطينية على لسان المستشار الاقتصادي للرئيس الفلسطيني، محمد مصطفى، إلى تفسير الموقف: «ما طرحه وزير الخارجية الأميركي مجرد رؤية عامة ولم يقدم شيئاً مكتوباً». وبيّن أن «العمل السياسي يجب أن يسير جنباً الى جنب مع الموضوع الاقتصادي».
لكن المراقبين يعتقدون أن إسرائيل غير مستعدة لتقديم تنازلات في هذا الوقت، وهي تريد الدخول في المفاوضات من بوابة الاقتصاد، وما أنتجه منتدى دافوس يعزّز تلك المخاوف: حديث الرئيس محمود عباس عن عدم القبول بالحلول المرحلية دون «تقدم على المسار السياسي» وإطلاق سراح الأسرى، من غير تحديد ماهيّة ذلك «التقدم»، وحديثه عن إعادة 96 جندياً إسرائيلياً «معززين مكرمين» إلى إسرائيل. وما سُمّي مبادرة كسر الجمود، التي قدّمها الملياردير الفلسطيني منيب المصري بالاشتراك مع رجال أعمال إسرائيليين، فضلاً عن مشاركة شركات فلسطينية في منتدى اقتصادي في تل أبيب، تحت شعار «أعمال بلا حواجز». كل ذلك يعزز الشكوك من السلام الذي تروّج له إسرائيل منذ فترة طويلة تحت مسمّى «السلام الاقتصادي».
المستشار الاقتصادي لرئيس وزراء الحكومة المقالة، عيسى النشار، قال لـ«الأخبار» إن السلام الاقتصادي مشروع إسرائيلي قديم متجدد يرمي إلى خلق حلول اقتصادية جذرية من خلال إجراءات اقتصادية جزئية. ومن هذا المنطلق، يرفض «خطة كيري»، قائلاً «من ناحية اقتصادية بحتة، ليس لدينا اعتراض عليها. نحن مع أن يستغل الشعب الفلسطيني ثرواته، لكن كيري جاء بخطة ظاهرها اقتصادي وباطنها سياسي»، ويوضح: «ملامح تلك الخطة السياسية تتضمن ما يتعلق بتبادل الأراضي، والدولة اليهودية، وإنهاء قضية عودة اللاجئين».
القضية الفلسطينية وإن غُيّبت عن الفترة الرئاسية الأولى لأوباما، إلا أنها عادت إلى الواجهة مع جولات كيري المكوكيّة إلى المنطقة. وفي هذا السياق، يرى النشار أن تلك المبادرات تأتي في إطار حل إقليمي شامل. ويضيف «لا أتصور أن القضية الفلسطينية على رأس أولويات الإدارة الأميركية. ما يجري الآن هو محاولة لإنهاء القضية الفلسطينية للتفرغ لحسابات أخرى متعلقة بسوريا وإيران بالدرجة الأولى».
من جانبه، رأى المحلل الاقتصادي نصر عبد الكريم، في حديث إلى «الأخبار» أنّ صعوبة المهمة السياسية التي استشعرها كيري جعلته يهرب إلى محاولة إيجاد حل من البوابة الاقتصادية، «وهذا ما يتساوق به مع وجهة نظر (رئيس الحكومة العبرية بنيامين) نتنياهو المتعلقة بالسلام الاقتصادي»، مضيفاً «كيري أراد من السلطة أن تقدم تنازلات، ولا أتصور أن عباس بمقدوره العودة إلى المفاوضات بالتنازل عن الشروط التي وضعها، وإلا سيخسر صدقيته أمام الشارع، ويعرّض مستقبل السلطة للخطر».
وعمّا إذا كان عدم توجّه السلطة إلى المحاكم الدولية يمكن إدراجه تحت سياق التنازلات، يقول عبد الكريم «هذا السلوك جاء لإعطاء فرصة للإدارة الأميركية الجديدة لإحداث اختراق في عملية السلام. التأخّر في التوجه إلى المحاكم الدولية لا يعتبر سبباً كافياً للقول إنه تنازل، لكن إذا ما مضى ذلك الأمر إلى ما لا نهاية يصبح الحكم نهائياً وقطعياً». وتساءل «عن أي مشاريع اقتصادية يمكن أن نتحدث في ظل سيطرة إسرائيل على كل مفاتيح الاقتصاد الفلسطيني، وسيطرتها على الأرض، واستمرار عزل الضفة عن غزة، وتقطيع أوصال الضفة؟» وتابع «إسرائيل ليست جادة، وليست غبية، وهي تدرك أن الاقتصاد هو إحدى ساحات المواجهة معها. مشاريع الغاز والبوتاس هي مشاريع استراتيجية، ستعطي الفلسطينيين هامشاً للمقاومة، وتفتح أمامهم خيارات أوسع. لذلك، فإن كل هذه المشاريع لا يراد منها سوى استقدام الفلسطينيين نحو طاولة المفاوضات لسنوات طويلة».
وأضاف «علينا أن نُبقي في الأذهان أن طوني بلير منذ عام 2007 لم ينجح في إقناع إسرائيل بتنفيذ مشاريع اقتصادية مموّلة أوروبّياً، لا أميركيّاً. وفي حال التسليم بهذه المشاريع والعودة إلى المفاوضات، فستبدأ إسرائيل بالمماطلة».