نيويورك | في 18 نيسان الحالي، ووسط توتر شديد في شبه الجزيرة الكورية، توجّه الأمين العام للأمم المتحدة إلى واشنطن، في زيارة كانت الأولى من نوعها في تاريخ المنظمة الدولية منذ تأسست عقب الحرب العالمية الثانية. قصد بان كي مون وزارة الدفاع الأميركية، في أول زيارة يقوم بها الأمين العام للأمم المتحدة إلى البنتاغون. رافقه في زيارته وكيله لشؤون عمليات حفظ السلام، أو وزير الدفاع الأممي المسؤول عن القوات التابعة للأمم المتحدة في العالم، الفرنسي هيرفي لادسو. لم يكشف الكثير عن تلك الزيارة ومآلها سوى أن الوفد الأممي بحث مع وزير الدفاع الأميركي، تشاك هاغل، ومساعديه الوضع في كوريا الشمالية ومالي والصومال وسوريا. دول خاضعة إما للحصار أو الوصاية الدولية أو للاثنين معاً.

بان كي مون ليس عقيداً سابقاً في جيش بلاده، ولم يكن مقاتلاً في يوم من الأيام. كان وزير خارجية كوريا الجنوبية، وعمل دبلوماسياً طيلة حياته المهنية. وهو الشخصية الأولى في منظمة قامت على ميثاق يعمل من أجل صون السلم والأمن الدوليين وفض النزاعات بين الدول بالسياسة أولاً، قبل استخدام أبغض الحلال، وهو اللجوء إلى السلاح والعنف. والأمم المتحدة برهنت على مدى 67 عاماً أنها كانت تعمل على أفضل وجه عندما يحدث توافق بين الدول، ولا سيما بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي. تلك الدول صاحبة امتيازي حق النقض والسلاح النووي. وبناءً عليه فإن بان يجب أن يتعاطى مع الأوضاع الدولية بما تفرضه مصالح الدول الخمس مجتمعة، كحد أدنى من الإجماع. واقع الحال برهن أن بان، الذي عرف بأنه أضعف أمين عام شهدته الأمم المتحدة منذ تأسيسها وأقربهم لواشنطن، راعى مصالح البيت الأبيض ونظرته أكثر من كافة أسلافه.
حدثت زيارته للبنتاغون في وقت كان العالم يخشى فيه تفجر الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية، ليؤكد توجسات الكثيرين عندما وقّعت الأمانة العامة للأمم المتحدة اتفاقاً سرياً مع منظمة حلف شمال الأطلسي في 23 أيلول 2008. الاتفاق الذي وقعه بان كي مون شخصياً في نيويورك مع الأمين العام لحلف الأطلسي آنذاك، ياب دي هوب شيفير، لم تُستشر به بكين أو موسكو. وفاجأ العاصمتين حسبما تسرب بعدها لوسائل الإعلام. والملاحظ أنه جاء بعد شهر ونصف شهر على اندلاع القتال بين جورجيا وروسيا عبر إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. وجرى الاتفاق بتكتم شديد، حتى إن الجانب الروسي لم يعلم به إلا بعد أكثر من شهر على توقيعه، ما أصاب وزير الخارجية سيرغي لافروف وقتها بصدمة. وطلب توضيحات من بان كي مون، لكنه لم يحصل على إجابة صريحة.
نص المعاهدة أو الاتفاق تسرب لاحقاً إلى بعض وسائل الإعلام، وبقي معظم العالم غير مدرك لحصوله أو لأبعاده. يرحب الاتفاق في الفقرة التمهيدية بالتعاون الذي جرى بين المنظمتين على مدى أكثر من عقد «في حفظ السلم والأمن الدوليين». ورغبة منهما وانسجاماً مع روحية نتائج قمة العالم لعام 2005 وضع هدف الاتفاق «تأمين إطار نحو مشاورات وتعاون موسّع بين الأمانتين العامتين». وقرر الأمينان العامان لكل من الأمم المتحدة ومنظمة حلف شمال الأطلسي تشديد التزامهما بصيانة السلام والأمن الدوليين. واستندا في ذلك إلى «تاريخ من التجارب المشتركة التي أظهرت قيمة التنسيق الفعال والكفوء بين المنظمتين». تنسيق جرى في البلقان عندما شاركت قوات الأطلسي، خارج إطار مجلس الأمن الدولي، في ضرب الجيش اليوغوسلافي وتدمير البنى الأساسية لصربيا وشن غارات في كوسوفو في تدخل في شؤون دولة جرى تفكيكها إلى مجموعة من الدويلات الضعيفة، كما استند في بنوده وفقراته إلى التعاون بين الأمم المتحدة والأطلسي في أفغانستان. حرب شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وعملت الأمم المتحدة كمشرعن لها.
المعاهدة تبني على هذه التجارب التي تكررت لاحقاً في ليبيا، وإن بموافقة صينية وروسية هذه المرة. وهي تهدف إلى توسيع التعاون في غير بقعة من العالم بمؤازرة منظمات إقليمية، مثل الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، «وفق روحية قمة العالم». تلك القمة التي وسّعت ميثاق الأمم المتحدة وأدخلت قواعد ومبادئ للتدخل الخارجي في شؤون الدول الداخلية تحت ذريعة «مسؤولية الحكومات في حماية السكان». وساقت المعاهدة أمثلة أخرى عن التعاون مثل دور الأمم المتحدة المساند لعمليات «الأطلسي» في باكستان، حيث تشرف الأمم المتحدة على تقديم المساعدات الإنسانية كما جرى عام 2005. وجاء في المعاهدة «تعاوننا محكوم بميثاق الأمم المتحدة، وبالمبادئ والخطوط العامة المعترف بها دولياً، وبالتشاور مع السلطات الوطنية».
أما التعاون الإضافي خارج هذه الأطر الفضفاضة الحمّالة للأوجه، فمن شأنه «المساهمة الكبيرة في معالجة التهديدات والتحديات التي تتطلب رداً من المجتمع الدولي»، حسب نص المعاهدة. وبناءً عليه شددت المعاهدة على «إنشاء صيغة أو إطار من أجل التشاور والحوار والتعاون». وتمضي الفقرة الثالثة من المعاهدة لتؤكد على تلبية احتياجات المنظمات الإقليمية وما يتفرع عنها. منظمات لحكومات لم تكن يوماً منتخبة ديموقراطياً، أو تمثل الشعوب، كما هو الحال بالنسبة إلى جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، «وفقاً لولايتي منظمتينا (الأمم المتحدة والأطلسي) عند الطلب وحيث يكون ملائماً».
وفي الفقرة الرابعة من المعاهدة، تشديد على أن صيغة التعاون هذه «تبقى مرنة ومتطورة وفقاً لمقتضيات المراحل». ويتفق الطرفان على تطوير التعاون بينهما في القضايا ذات المصلحة المشتركة في أمور على جانب كبير من الحساسية الأمنية لأي دولة. وهذه تشمل «الاتصالات وتبادل المعلومات الاستخبارية بما في ذلك ما يتعلق بحماية التجمعات المدنية، وبناء القدرات، والتدريب والمناورات، واستخلاص العبر، والتخطيط والإسناد في الحالات الطارئة، والتنسيق العملاني والدعم». وفي البند الخامس تشديد على أن التعاون «سيستمر بأسلوب عملي، آخذاً في الاعتبار خصوصية كل منظمة وولايتها، وخبراتها وإجراءاتها وقدراتها، من أجل تحسين التعاون الدولي في مواجهة التحديات المستجدة».
الذين حللوا هذه المعاهدة السرية تنبهوا إلى أن المنظمتين متفقتان على السرية التامة. والتوقيع جرى في أوج الأزمة التي مرت بها جورجيا، أي عندما كانت روسيا على خلاف شديد مع الأمم المتحدة والدول الغربية في دعمها ومساندتها المباشرة لكل من إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. وفي وقت كانت فيه روسيا والصين تستخدمان حق النقض، للمرة الأولى معاً، دعماً لزيمبابوي في تموز 2008 في خصومة مفتوحة مع بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. ورأى المحللون أن بان كي مون تعرض لضغط من الدول الغربية الكبرى الثلاث، للتوصل إلى توقيع المعاهدة.
المفارقة أن روسيا، التي مرت بهذه التجارب وعرفت أن الأمم المتحدة تتجاهلها في أمور كثيرة وتتعامل معها كما لو أنها من دول كتلة عدم الانحياز الأقل شأناً، وليست من الدول الخمس الكبرى المؤسسة، عادت وكررت خطأ دعم تدخل الأطلسي في شمال أفريقيا. لم يتم تجاهل روسيا في المعاهدة مع الأطلسي وحسب، بل سجلت الأمانة العامة أيضاً نفس الموقف الملتبس من شرعية استقلال كوسوفو عن صربيا، حين قال الأمين العام إنه يريد مراجعة الدائرة القانونية بالنسبة إلى علاقة المنظمة بالإقليم. مع أنه كان يعرف حق المعرفة مضمون القرار 1244 الصادر عام 1999 الذي وضع كوسوفو في عهدة الأمم المتحدة. موسكو عادت وكررت الخطأ بالسماح للأطلسي بإقامة منطقة حظر طيران فوق ليبيا مع السماح باستخدام كل الوسائل المناسبة تحت ذريعة حماية المدنيين. خطأ كلفها كثيراً في سمعتها من الناحيتين الدبلوماسية والجيوسياسية، حيث فقدت كل نفوذ لها في ليبيا بسببه، وأضعف القرار هيبتها في الشرق الأوسط.
في الأزمات المستفحلة الممتدة من كوريا الشمالية إلى مالي، من المنتظر أن تتسارع وتيرة ترجمة معاهدة 2008 بين الأمانتين العامتين في نيويورك وبروكسل على الأرض، ولا سيما في أي حروب قد تندلع وتمس بمصالح الولايات المتحدة ونفوذها. معاهدة تجعل قوات الأمم المتحدة طرفاً وربما هدفاً. هذا ما قاله المبعوث الدولي المشترك الأخضر الإبراهيمي، بعد ترؤسه لجنة تقصى الحقائق التي تشكلت عقب تفجير مقر الأمم المتحدة في نهاية عام 2007.
بهذا التحيز لحلف عسكري كيف يستمر العالم في وضع ثقته بتقارير الأمم المتحدة أو حتى بقوات حفظ السلام التابعة لها؟ كيف يثق بحياديتها؟ كانت القوات الدولية محايدة عندما شاهدت المدنيين يذبحون علنا في قانا وسربرنيتسا. وضعف الأمين العام بان كي مون جعل الأمم المتحدة ريشة في مهب الريح. إزاء هذا الضعف، يتساءل المتابعون إن كان لزيارة بان للبنتاغون علاقة بنتائج التحقيقات التي تجريها الأمم المتحدة من الخارج في ادعاءات تتعلق باستخدام أسلحة كيميائية في سوريا بطلب من بريطانيا وفرنسا.




«طالبان» تتوعّد «الأطسي»

اعلنت حركة طالبان عن البداية الوشيكة لـ «هجوم الربيع» الذي يستهدف السلطة الافغانية وقوات حلف شمال الاطلسي و«مراكزها الدبلوماسية» بواسطة انتحاريين وعناصر «متسللين». واكدت الحركة في بيان أول من أمس أن عملية «خالد بن الوليد» «ستُشن على نحو متزامن في كل انحاء البلاد» ابتداءً من 28 نيسان. وهددت طالبان بشن «عمليات جماعية للاستشهاديين على قواعد الغزاة الاجانب ومراكزهم الدبلوماسية ومطاراتهم العسكرية لالحاق خسائر كبيرة بهم». ورحبت الحركة، من جهة اخرى، ببدء انسحاب قوات الحلف الاطلسي التي يفترض أن يغادر القسم الاكبر من عناصرها الـ 100 الف، الذين يمثل الاميركيون القسم الاكبر منهم، البلاد أواخر 2014 على أن تحل محلهم القوات الافغانية. واكد البيان أن «العدو، مع كل قوته العسكرية، اضطر ... إلى الفرار».
(أ ف ب)