ما جرى من مشادة «رئاسية» في مجلس الشورى الإسلامي قبل يومين ليس حادثة معزولة، أو موقعة من خارج السياق. على العكس، هي واحدة من التعبيرات الفجّة عن الخلافات المستعرة تحت رماد الحراك الداخلي في إيران. انقسامات، لم تعد مقتصرة فقط على معسكري الأصوليين والإصلاحيين، بل شطرت الجبهة المحافظة نفسها. حتى توقيتها، يبدو جد مبرر: قبل أسابيع من انتخابات الرئاسة الإيرانية المقررة في حزيران المقبل.
وعنوان الانتخابات ليس تفصيلاً عابراً في إيران. هي عامل مقرر، في غالبية الأحيان، في كثير الظواهر. ويزداد تحكمها بمسار الأحداث كلما اقترب يوم الاقتراع. حتى أسعار الريال، العملة الإيرانية التي تشهد انهياراً متواصلاً منذ أشهر، على سبيل المثال، فبالرغم من وجود اسباب اقتصادية بحتة لهذه الأزمة، إلا أن الصراع بين الأفرقاء السياسيين، ومحاولات خصوم الرئيس محمود أحمدي نجاد تقويض حكومته وإظهارها عاجزة، فاقمت من المشكلة النقدية في البلاد. وهي مشكلة سعت مجموعة الرئيس إلى استغلالها بنحو معاكس، عبر تحميل تورط أطراف أخرى في الحكم بأكثر من أزمة خارجية، مسؤولية الأعباء الإضافية على كاهل الموازنة.
ومع ذلك يبقى الصدام بين نجاد ورئيس البرلمان علي لاريجاني أكثر تعبيراً ووضوحاً عمّا يجري على الساحة السياسية حيث يدور صدام بين:
ــ رئيس خطّ لنفسه مساراً مستقلاً عن النهج الرئيسي للنظام في البلاد، ويريد الحفاظ على إرثه هذه عبر تسمية خليفته في المنصب بما يضمن البقاء لــ«النجادية»، خلافاً لما حصل للرفسنجانية بعد انتهاء ولاية أكبر هاشمي رفسنجاني، والخاتمية بعد خروج محمد خاتمي من الحكم.
ــ رئيس برلمان، يُعَدّ من أبرز المنافسين على موقع الرئاسة في الانتخابات المقبلة، وينتمي إلى عائلة واسعة النفوذ في البلاد. وهذا يعني أنها تشكل سداً منيعاً في وجه طموحات نجاد (محمد جواد لاريجاني من أقرب مستشاري المرشد علي خامنئي إليه، ومحمد صادق لاريجاني رئيس السلطة القضائية). كذلك يُعَدّ رئيس المجلس كرمز من أبرز قيادات الفريق الآخر الذي يسعى إلى تأمين تقاعد لائق لرئيس دولة، بدأ ولايته الأولى بآمال مرتفعة، لكنه شرد في منتصف الطريق.
والمشكلة في إيران ليس في ما يجري الآن، بل في ما تتوقع القيادة الإيرانية أنه يخطط له. الساحة الإيرانية معتادة الخلافات السياسية، وهي تمتلك من الآليات الداخلية ما برهن قدرته على إدارتها بشكل يحفظ الثورة، التي تحتفل هذا الشهر بعيدها الـ34، ومصالح إيران، وفي الوقت نفسه الحد الأدنى من رغبات الأطراف الداخلية (طبعاً هذا لا ينطبق على «أعداء» النظام، ممن يعارضون أصل الجمهورية). لكن المعنيين في طهران يقرأون في ما يعد له الغرب بشكل دقيق، ويبنون حساباتهم على أساسه. من هنا يصبح الحراك الداخلي، في بعض مساراته، عن قصد أو غير قصد، جزءاً مكملاً أو موازياً لحسابات إقليمية أو دولية هدفها النهائي تطويع الحكم أو تقويضه لإعادة التموضع الجيواستراتيجي للجمهورية الإسلامية.
يقول المعنيون في إيران إن ما لديهم من معلومات ومؤشرات، وما لاحظوه من خلال مراقبتهم للتطورات في إيران والمنطقة، يفيد بأن «المعركة المقبلة مع الغرب لن تكون في سوريا ولا في العراق ولا في مصر، ولا في أي بقعة أخرى. المعركة المقبلة في الداخل الإيراني». ويضيفون أن «ما يعد لنا شيء شبيه بما جرى في 2009، ولكن بآليات وأساليب مختلفة، بعدما استفادوا من التجربة الماضية».
والحديث هنا هو عن أن هدف المعركة المقبلة ليس ضمان فوز رئيس يقبل العروض الغربية، كما كان عليه الحال أيام ما كان يعرف بالثورة الخضراء عندما كان الضغط كله لإيصال مير حسين موسوي إلى سدة الحكم، بل هو نزع الشرعية عن هذا الحكم، عبر رفع نسبة المقاطعة في الانتخابات الرئاسية إلى حدها الأقصى بما يسمح بالقول، في أعقاب الاقتراع، إن نسبة المشاركة الضئيلة تعبّر عما يحظى به النظام الإسلامي من قبول في الشارع الإيراني. المؤشرات الأولى على توجه كهذا كثيرة، بحسب المعنيين أنفسهم، بينها دعوة أكثر من طرف إصلاحي إلى مقاطعة الاقتراع. وعليه، بدأ النظام، منذ مدة، يدفع باتجاه تشجيع الأحزاب والتيارات السياسية على المشاركة، وتشجيع الناس على الاقتراع، تحت عنوان أن الساحة مفتوحة للكل، من دون استثناء، حتى المعارضة الإيرانية المقيمة في لوس أنجلوس الأميركية. بل بلغ الأمر حداً جعل المرشد نفسه يتحدث عن الرهان الغربي على مقاطعة الانتخابات.
وتقول مصادر متابعة لهذا الملف إن الوقت لا يزال مبكراً لاستشراف الاصطفافات الانتخابية المقبلة، بل حتى لتقدير المرشحين المحتملين وحظوظ كل منهم بالفوز. لكن هناك بعض الخطوط العامة التي أصبحت واضحة:
- الرئيس نجاد ومجموعته مصممون على خوض المعركة بكل ما أوتوا من عزم وقدرات بهدف إيصال مرشح لهم إلى سدة الرئاسة. وهم لذلك يخوضون معركة مفتوحة، في الإدارة والإعلام والاقتصاد، لم تهدأ بعد، بلغت حد رفع دعاوى أمام القضاء ودخول مسؤولين كبار السجن، بينهم المستشار الإعلامي لنجاد، علي أكبر جوان فكر. بل إن الحديث يجري في الأروقة المغلقة عن إمكانية أن يتحالف نجاد هذه المرة مع الإصلاحيين، في مواجهة الكتلة الأصولية التي قد يكون عليها أن تدخل الانتخابات موحدة خلف مرشح واحد هذه المرة:
- تلقت قيادات المعارضة الإصلاحية رسائل وإشارات من الأطراف المعنية في النظام بأن الساحة مفتوحة لها لخوض الانتخابات ترشيحاً واقتراعاً، ولكن تحت عباءة الرئيس السابق أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي تفيد المعطيات المتوافرة بأنه تقرر أن يُحمّل مسؤولية أي تصرف مسيء يمارس من شخص أو فريق يعمل تحت رعايته، خلافاً لما حصل في المرة السابقة حيث خيضت «الثورة الخضراء» باسمه وبدعمه (كان ابنه مهدي يدير العمليات بنفسه)، ولكنه كان يتنصل علناً من كل ذلك. وسرت شائعات في طهران قبل مدة عن إمكانية رفع الإقامة الجبرية عن القياديين الإصلاحيين موسوي ومهدي كَروبي، قبل الانتخابات المقبلة.
ومعروف أن وضع رفسنجاني تدهور كثيراً في السنوات الأخيرة نتيجة لخلافاته مع نجاد الذي وظف كل ما له من سلطة وصلاحيات لاستئصال إرث سلفه من الدولة والإدارات. وكانت خطيئة الرئيس السابق تورطه، بل تحريضه وتغطيته للحملة المناهضة للنظام التي جرت تحت عنوان الانتخابات الرئاسية السابقة. ورغم أن القيادة عاملته بترفع، آخذة في الاعتبار عطاءاته على مدى تاريخ الثورة، إلا أن استمراره في سلوكه هذا دفع المرشد نفسه إلى توجيه رسالة علنية له، من دون أن يسميه بالاسم، تفيد بما معناه أن الإنسان بأعماله الحالية، لا بتاريخه فقط. ولم يسعف رفسنجاني تورط الدائرة المحيطة به بأكثر من ملف، بينها قضايا فساد وتحريض على التظاهر متهم بها ابنه مهدي، وقضايا «نشر دعاية معادية للدولة» مسجونة بها ابنته فائزة. وكان لافتاً في هذا السياق تصريح لنجاد، قبل أسابيع، طالب فيها بانتخابات «عادلة ونزيهة»، ما أثار حملة شرسة عليه في وسائل الإعلام الإيرانية تحت عنوان «متى لم تكن الانتخابات في إيران عادلة ونزيهة؟ وهل عمليتا الاقتراع اللتان أوصلتاك إلى الرئاسة مرتين لم تكونا كذلك؟».
ولا تزال الطريق طويلة قبل أن تتضح خريطة الاصطفافات الانتخابية وأسماء المرشحين المحتملين، برغم وجود لائحة من المتسابقين البديهيين من أمثال علي لاريجاني وأمين المجلس الاعلى للأمن القومي سعيد جليلي ومستشار المرشد علي أكبر ولايتي ورئيس بلدية طهران محمد باقر قليباف، مع حديث في الكواليس عن أن محمد خاتمي يمكن أن يرشح نفسه كمرشح توافقي للإصلاحيين، بالرغم من أنه يبدو متردداً في موقفه حتى من المشاركة في الانتخابات بسبب الضغوط التي يتعرض لها لمقاطعتها.
وتُعَدّ الانتخابات المقبلة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية لأسباب ثلاثة: الأول، أنها تأتي في الجولة الأخيرة من الصراع مع الغرب، بعد أن استنفد هذا الأخير جميع طرق المواجهة ولم يبق أمامه إلا إسقاط النظام من الداخل أو شن حرب هناك إجماع على استحالتها، على الأقل في الوقت الراهن. ويبقى البديل التسوية الشاملة. وثانياً، أنها تأتي في ظل حملة ضغوط وعقوبات اقتصادية غير مسبوقة على إيران، فاقم من تداعياتها سوء الإدارة والصراعات الداخلية، وهو ما جعل البعض يتحدث عن احتمال أن تكون الكفاءة الاقتصادية من أهم متطلبات الرئيس المقبل. وثالثاً لأنها تأتي بعد تجربة نجاد التي كرست قناعة لدى المعنيين في طهران بضرورة إجراء تعديل دستوري يحول النظام إلى برلماني بالكامل عبر انتخاب الرئيس من قبل مجلس الشورى وليس مباشرة من الشعب على ما هو الحال اليوم.




نجاد يتمنى إرساله إلى الفضاء

نقلت وكالة «مهر» الإيرانية للأنباء عن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، قوله على هامش معرض في طهران لإنجازات الفضاء: «أنا مستعد لأكون أول إنسان يرسله العلماء الإيرانيون إلى الفضاء».
وأضاف أن «إرسال كائنات حية إلى الفضاء هو نتاج جهود إيرانية وتفاني الآلاف من العلماء الإيرانيين». من جهة ثانية، عبّر وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي عن «تفاؤله» إزاء المحادثات حول البرنامج النووي الإيراني، ورأى «تغيّراً» في موقف الإدارة الأميركية الجديدة.
وقال صالحي خلال مؤتمر أمام المعهد الألماني للسياسة الخارجية في برلين: «أنا متفائل ولديّ شعور بأن هذه الإدارة تحاول فعلياً هذه المرة تغيير الموقف السابق والمعتاد حيال بلادي».
(رويترز، أ ف ب)