«ليس بالفودكا وحدها...» يجد نقاد الكرملين ومناهضو خياراته السياسية في شرق أوروبا، الشرق الأوسط وفي العالم أجمع، الكثير من المعاني في هذه العبارة.

إذ في وجه التدهور النقدي الذي شهدته روسيا أخيراً، لم تجد إدارة الرئيس فلاديمير بوتين أي إجراء فعلي يُتخذ سوى تجميد سعر المشروب الروحي الشهير. خطوة تهدف إلى الحؤول دون حرمان فئات من المجتمع الذي يؤرقه التأزم النقدي والمالي داخل البلاد، والتأزم الأمني حولها، أحدَ مصادر متعته الأولى واحتواء موجات غضب يرى الكرملين أنه بغنى عنها.

إنه الإجراء الوحيد الفعال، لأن رفع معدل الفائدة الأساسية على الروبل بواقع سبع نقاط مئوية دسمة، لم يُسهم في نشر الثقة والحث على شراء العملة المتأزمة. كذلك، إن فرض حظر على حركة الرساميل بدا إجراءً متهوراً برأي السلطات الروسية، لأنه قد يُعمّق الأزمة أكثر.
هكذا بدت السلطتان، النقدية والسياسية، محرجتين أمام الجمهورين، المحلي والعالمي، لعدم قدرتها على فعل شيء أمام تراجع الثقة في السوق.
ليس الروبل وحده في المعمعة، فالبلاد كلها يلفها الترقب الاقتصادي. من المتوقع أن يسجل معدل التضخم 10% في العام الجديد. وبحسب وزارة المال الروسية، فإن الاقتصاد سيتقلص بنسبة 4%، وذلك على اعتبار أن سعر برميل النفط سيبلغ 60 دولاراً وأن سعر صرف الروبل أمام الدولار سيبلغ 51 روبلاً.
اليوم تسعى روسيا بكامل مقوماتها إلى تجنب انهيار مؤسساتها المالية، على رأسها مصرف «Trust». صحيح أن البنك الذي يعني اسمه للمفارقة، «الثقة»، لم ينهر كلياً بعد، غير أنه يُصنّف فعلياً على أنه الضحية الأولى للأزمة التي تعيشها البلاد؛ أزمة تُذكّر الروس والعالم برمته بما حدث خلال 1997ـ 1998، حينها انهارت البلاد نقدياً خلال عاصفة النيوليبرالية التي هبّت على البلدان النامية تحديداً في شرق آسيا.
حتى اليوم لا تزال الأوضاع إلى حد ما دون مستوى التأزم النقدي المالي المشهود خلال تلك الفترة، ولكن جميع المعطيات تفيد بأن المنصّة أضحت جاهزة لدراما روسية جديدة.

ستكون أجندة بوتين
حافلة تماماً كما ستكون الهجمة عليه وعلى خياراته

تنقل صحيفة «فايننشال تايمز» عن مدير كبير في إحدى أهم المؤسسات المالية الروسية تحذيره من أن ما يحصل حالياً في البلاد «ليس سوى البداية» وأن «الجميع يترقّب ما سيحدث في بداية العام» الجديد.
العاصفة النيوليبرالية مستمرة رغم كل شيء إذاً. في التسعينيات كان صندوق النقد الدولي نجمها. اليوم، وبعد التحولات التي شهدها العالم منذ الأزمة المالية التي اندلعت عام 2008، مروراً بأحداث العالم العربي، أضحى الخطاب العلني للصندوق «معتدلاً» تحت مظلة الإحراج والإهانة.
يبقى الصندوق الوجه الأول للنظام النقدي العالمي، غير أن النجوم الفعلية هي وكالات التصنيف. هذه الشركات التي يُفترض أن تُقدّم تقويماً شفافاً لماليات الشركات الأخرى، المصارف وحتى البلدان تبقى سيدة الكون، على الرغم من كل الهراء الذي أغرقت فيه البشرية وصولاً إلى الأزمة المالية عام 2008.
تحذّر وكالة «ستاندرد أند بورز» (S&P) من أنها ستخفض تصنيفها للسندات الروسية (أي الاوراق المالية التي تقترض بموجبها البلاد من الأسواق المالية) إلى درجة «الخردة» (Junk) في بداية العام الجديد، نظراً إلى التدهور السريع في «الليونة المالية» في البلاد، أي قدرتها على احتواء المخاطر المالية وحسن استخدام الموارد للحفاظ على الاستقرار النقدي.
فعلياً، تصنّف الوكالات الثلاث الكبرى، وهي إلى المذكورة «موديز» و«فيتش»، السندات الروسية عند درجة واحدة فقط فوق «الخردة».
وإلى وكالات التصنيف هناك السعودية التي تُعد أكبر مصدّر للنفط وثالث أكبر منتج له. أخيراً جزم وزير النفط السعودي، علي النعيمي، بأن الرياض لن تعمد أبداً إلى خفض إنتاجها. «أبداً» تعني أنه حتى لو تراجع سعر البرميل إلى 20 دولاراً، فإن جفن الرياض لن يرف.
جميع هذه المعطيات تؤكد أن العام الجديد سيكون مليئاً بالتحديات للكرملين، فماذا يُمكن فعله؟
بداية، يجب مقاربة الحالة الروسية من منظور مبدئي. لا يُمكن مراقبة تدهور مالية البلاد وعملتها (نزف المصرف المركزي أكثر من 120 مليار دولار من احتياطاته الأجنبية خلال عام 2014) من دون استذكار إحدى أهم مناورات النجاح من فكّ الأزمة الآسيوية في نهاية التسعينيات، أي الإجراءات التي اعتمدتها ماليزيا.
لا يُمكن أن يواجه الكرملين العقوبات الغربية من دون دعم حلفائه الخارجيين

حينها، فرضت إدارة الرئيس، مهاتير محمد، قيوداً على حركة الرساميل، على العكس تماماً من تعاليم صندوق النقد. فكانت الأزمة بمثابة زكام قصير على البلاد، فيما تحوّلت إلى انتكاسة حقيقية للبلدان التي سارت بحسب توصيات الصندوق.
فُرضت تلك الإجراءات بقوّة السلاح، عبر تجييش عناصر الشركة لفرض هذه السياسة على الأرض. وأكدت أن مخالفة تعاليم «النظام» عادة ما تكون الخيار السليم.
أهم من ذلك، الفارق هذه المرّة عن نهاية التسعينيات هو أن العالم حينها كان في أوج مرحلة السيطرة القطبية الواحدة، أما اليوم فإن أبرز سمات النظام العالمي هو أنه يتبلور بأقطاب متعدّدة؛ هناك محاور اقتصادية عالمية تقودها الصين، في الشرق والولايات المتحدة في الغرب.
واللافت هو أنه في عزّ المعمعة الحالية، وحتى هذه اللحظة اليوم بالحد الأدنى، تجد الروح الروسية المناهضة لسياسات الغرب في أوجها أيضاً. تنقل تقارير أن أحد أهم مجمعات التسوق في موسكو وضع عند مدخله سجادة تحمل العلم الأميركي لكي يمسح الزوار أحذيتهم بها.
لذا، إن أي إجراءات مالية لتجنب التأزم الكامل قد تلقى التجاوب القومي المطلوب.
لكن ماذا عن الشق العملي من النقاش حول الصراع الشرقي الغربي وصمود روسيا فيه؟ هنا، يجب التسليم بأنه لا يُمكن الكرملين أن يواجه العقوبات الغربية من دون دعم يوفره الحلفاء الخارجيون. في نهاية المطاف، يستحيل أن تعوّل موسكو على احتياطاتها الأجنبية لفترات طويلة، وحتى هذه الدفاعات لا تُعدّ كافية في إطار الحرب النقدية الدائرة، حتى لو كانت ضعف ما هي عليه الآن، وهو 400 مليار دولار بأحسن الأحوال.
أخيراً استعرضت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية خيارات فلاديمير بوتين في إطار التحالفات الدولية، من بينها المحادثات مع كوريا الشمالية للاستفادة من جغرافيتها لتأمين الغاز عبر أنبوب طموح لجارتها كوريا الجنوبية المزدهرة اقتصادياً.
أهم الصداقات هي مع الصين طبعاً. «خلال العقود الماضية صيغت توقعات كثيرة لهذا الحلف، غير أنها لم تتبلور فعلياً» تقول الصحيفة. تذكر التعاون الاقتصادي الهائل بين البلدين، غير أنها تراه لمصلحة بكين في معظمه.
الهند أيضاً مشروع تحالف واعد لمصلحة فلاديمير بوتين، وتحديداً من بوابة التعاون النووي، وخصوصاً في ظلّ إدارة ناريدرا مودي. كذلك الأمر بالنسبة إلى تركيا، التي «يسعى بوتين إلى توطيد العلاقات معها، وذلك لاحتواء تأثير العقوبات جزئياً» تتابع الصحيفة نفسها.
ويذهب سيد الكرملين إلى درجة إغراء صربيا والبوسنة بثمار الالتصاق بموسكو وبأن التحالف مع الغرب ليس الخيار الوحيد المتاح.
ستكون أجندة فلاديمير بوتين حافلة في عام 2015، تماماً كما ستكون الهجمة عليه وعلى خياراته في إقليمه وفي الشرق الأوسط. نجاحه في تخطّي الصعاب يتمثّل في قدراته الديبلوماسية على تطوير الزخم اللازم لإنعاش بلاده اقتصادياً عبر الاتفاقات مع الحلفاء، وفي إنشاء توازن محلي يجنبه اضطرابات على الجبهة الداخلية. هو اليوم يقطع وعوداً أمام الحلفاء والمؤيدين، والتنفيذ سيكون في العام المقبل.




بحثاً عن الحماية المالية

تراكمت الضغوط على الروبل طوال عام 2014، لتصل إلى أوج أدّى إلى انهيار سعر صرفه أمام الدولار في منتصف كانون الأول الحالي، إلى أكثر من 80 روبل لكل ورقة خضراء، وهو مستوى متدنّ قياسي.
وقد توازت حركة العملة الروسية مع تدهور أسعار النفط. فقد أدت السياسات التي انتهجتها البلدان الأخرى المنتجة للنفط ـ وهي بمعظمها مناهضة لسياسات موسكو ـ إلى تراجع سعر البرميل إلى نصف ما كان عليه في الصيف الماضي.
الروبل يُعدّ عملة نفطية بامتياز ـ أي يعتمد صموده على انتعاش الأسعار العالمية للوقود الأحفوري ـ وحالياً يتلقى الضربات من أكثر من جهة. فالعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية على روسيا بسبب أحداث شرق أوكرانيا والسيطرة على شبه جزيرة القرم، تمنع المؤسسات من الوصول إلى الأسواق المالية العالمية، وتشفط من احتياطات البلاد من العملات الصعبة.
أخيراً، شدّد وزير المالية الروسي، أنطون سليانوف، على أهمية حماية البلاد مالياً ونقدياً، وأشار إلى ضرورة تحقيق موازنة متوازنة ـ أي من دون عجز بالحد الأدنى ـ عند سعر للنفط يبلغ 70 دولاراً بحلول عام 2017.