قد تحمل الأزمة الاقتصادية الروسية بعض الرضى عن النفس لعدد لا بأس به من المسؤولين في الدول الغربية. ربما يدفعهم التشفي إلى شكر السعودية «لأنها أوصلت روسيا إلى ما هي عليه الآن»، كما فعل السيناتور الأميركي جون ماكين قبل أيام. ولعل البعض يفكر في أن العقوبات و«حسن التدبير» ساهما «في معاقبة موسكو على خطوتها بضم شبه جزيرة القرم» في آذار الماضي، ولكن في مقابل ذلك، هناك من يحسب ويحلّل ويناقش هذه القضية من وجهة نظر المتأني الذي لا يغفل جانباً لا يقل أهمية، وهو أن السرور بـ«بئس المصير الروسي» يمكن أن يخفي وراءه نتائج عكسية لا تحمد عقباها، وما يعنيه من كل ذلك أن اقتصادات معيّنة في بقية دول العالم ليست بمنأى عن الأزمة.


في آذار الماضي، وبعد ضم شبه جزيرة القرم، تركّز التفكير الغربي على فرض العقوبات الاقتصادية على روسيا باعتبار أن ذلك سيؤلم الرئيس فلاديمير بوتين، لاعتماد الشق الأكبر من اقتصاد بلاده على الغرب، فكانت ألمانيا قائد الحملة بما يتناسب مع الدور الذي أدته منذ بداية الأزمة بين موسكو وكييف.
ولكن حينها، حذّرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية، من أن الاستمرار في سياسة العقوبات، سيؤدي إلى نتائج سلبية على الجانبين الروسي والألماني، «ذلك أن الاقتصاد الألماني قد يكون عرضة للأذى إذا ارتأت موسكو اتخاذ خطوات انتقامية». وذكرت «دير شبيغل» أنه خلال العام السابق، وصل التبادل التجاري بين موسكو وبرلين إلى حوالى 77 مليار يورو (أي ما يعادل 107 مليار دولار). ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل لفتت الانتباه إلى أن هناك أكثر من 6 آلاف شركة ألمانيّة مسجلة في روسيا، حيث قامت باستثمار حوالى 20 مليار يورو في السنوات الأخيرة.
بناء عليه، استدركت المجلة الألمانية نتائج الإجراءات العقابية على روسيا وعلى ألمانيا نفسها، «التي سيشهد مجتمع الأعمال فيها خسائر شديدة». فقد عمل ممثلو الشركات الألمانية وجماعات الضغط على رسم أسوأ السيناريوات، محذّرين من أن إمدادات الطاقة قد تكون معرّضة للخطر، وأن أكثر من 300 ألف وظيفة ستصبح مهدّدة.

دفعت الأزمة عدة
شركات غربية إلى إيقاف
أعمالها في روسيا
ونقلت «دير شبيغل» عن رئيس لجنة العلاقات الاقتصادية في أوروبا الشرقية (تمثّل المصالح الألمانية في الشرق) تعبيره عن قلقه الشديد من «أننا ذاهبون إلى إطلاق العنان لدوامة من العقوبات والعقوبات المضادة لا طائل منها».
ومنذ ذلك الحين إلى اليوم، ظهر «سلاح» آخر بحسب ما يهوى البعض تسميته، وهو «سلاح النفط»، الذي ساهم انخفاض سعره في مواصلة الجهود الغربية الحثيثة الرامية إلى تأزيم الوضع الاقتصادي الروسي. فكان التغني الغربي بانهيار عملة الروبل تارة وبالترويج للتضخم الاقتصادي الروسي تارة أخرى.
ولكن بمواجهة ذلك، علا صوت أكثر عقلانية، حذّر من تداعيات الأزمة الاقتصادية الروسية وحتى انتشارها. الولايات المتحدة مثلاً، التي تستفيد من انخفاض أسعار النفط العالمية منذ ستة أشهر، والتي تتمتّع بقوّة الدولار مقابل العملات الرئيسية الأخرى، لن تكون بمنأى عن أي تأثّر غير مباشر. فوفق تقرير نشره موقع «انترناشيونال بيزنس تايمز»، «قد تتضرّر الشركات المتعددة الجنسيات من استمرارية الدولار القوي». ومثال على ذلك، بحسب ما نقلت معدّة التقرير جيسيكا مانتون عن المحلل الاقتصادي شارلي بيليلو، هو مؤشر «ستاندرد أند بورز 500» الذي يعمل على قياس أداء 500 من الشركات الرئيسية المدرجة أسهمها في البورصات الأميركية. فقد لفت بيليلو إلى أن حوالى 40 إلى 50 في المئة من إيرادات أسهم الشركات في مؤشر «ستاندرد آند بورر 500» تتأتى من أنشطة خارج البلاد، «ما يعني أن بعض الشركات سبتدأ، خلال أوائل كانون الثاني، بالإعلان عن تأثير سلبي لارتفاع الدولار على الأرباح»، وخصوصاً أن هذا المؤشر يمثّل حوالى ثلثي القيمة في سوق الأسهم الأميركية، ونتيجة لذلك يمكن اعتباره ممثلاً لكامل قطاع الأسهم.
شبكة «سي ان ان» نشرت أسماء بعض الشركات الغربية التي عانت فعلاً الاضطرابات الاقتصادية الروسية، والتي راحت تستعد لخسائر أكبر على مستوى الأرباح. وأشارت إلى أن أزمة العملة وتراجع أسعار النفط قد أديا إلى فقدان ثقة المستهلك، في الوقت الذي سيؤدي فيه انخفاض أسعار النفط إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي الروسي بنسبة 5% خلال السنة المقبلة، ما يبشر أيضاً بمزيد من الأنباء السيئة لعدد من الشركات الغربية التي تعتمد على سوق كبيرة في روسيا.
وذكرت الـ«سي ان ان» أن التقلبات الحادّة للروبل دفعت «آيكيا» و«جنرال موتورز» و«آبل»، إلى إيقاف عدد من أعمالها في روسيا، كما تلقت علامات تجارية غربية أخرى ضربة قوية، منها: شركة «فورد» الأميركية للسيارات التي شهدت انخفاضاً في نسبة المبيع خلال هذا العام، إلى حوالى 12 في المئة، واضطرت إلى تعليق 950 وظيفة في روسيا في نيسان. وأُجبرت شركة السيارات الألمانية «فولسفاكن»، على إيقاف العمل في أحد مصانعها في روسيا لمدة عشرة أيام بسبب الأوضاع الاقتصادية، إضافة إلى انخفاض نسبة مبيعاتها إلى حوالى 20 في المئة.
وقد دفعت الأزمة الاقتصادية شركة «أديداس» إلى إقفال عدد من محالّها. أما شركة «بي بي» النفطية فقد تلقت ضربة مضاعفة، لأنها تملك حصة كبيرة في كبرى شركات النفط الروسية «روسنفت»، التي منعت من الوصول إلى مصادر التمويل الأميركية والأوروبية. وأيضاً من الشركات المتضررة «إكسون موبايل» و«توتال» الفرنسية وسلسلة مطاعم «ماكدونالدز» و«سيمنز».
في جانب آخر، هناك من لجأ إلى مقاربة الأزمة الاقتصادية الحالية بالاستناد إلى الأزمة التي شهدتها روسيا في عام 1998 والتي تردّدت أصداؤها عالمياً بسبب تخلّف موسكو عن سداد ديونها. مجلة «ذي أوبزرفر»، رأت في هذا الإطار أن الأزمة الحالية لن تصل إلى حدّ التأثير نفسه، إلا أنها لفتت إلى أنه «يمكن أن تؤدي إلى مشاكل في جميع أنحاء العالم». لذا كان لا بدّ من التطرق إلى القروض الروسية من المصارف الأوروبية، التي قد لا تصل إلى نسبة مرتفعة، ولكنها قد تمثل مصدر قلق. فبالنسبة إلى الكاتب لاري إليوت يبدو الوضع مشابهاً بشكل أو بآخر لأزمة الـ1998، حين اضطر مصرف «باركليز» مثلاً، إلى تخصيص 250 مليون جنيه استرليني، لتغطية خسائره في روسيا.
«الصفقات المالية حالياً معقّدة ومن الصعب التيقّن إلى أي مدى يمكن أن تكون الخسائر كبيرة»، قال إليوت، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن روسيا «تملك علاقات اقتصادية مع دول أوروبا الشرقية، ما يعني أن انهياراً اقتصادياً قد تكون له تبعات خطيرة على دول مثل بولندا وأوكرانيا المنهارة فعلاً».
أما في الشق الآخر من الأزمة، فقد تكون هناك تبعات على الأداء الاقتصادي الضعيف في ألمانيا الذي شهد تباطؤاً منذ الربيع، متأثراً بالضعف في منطقة اليورو وأيضاً بالتوترات بين كييف وموسكو. وبناءً عليه، فقد أشار إليوت إلى أن الأزمة الروسية «قد تكون كافية لترجيح كفة الركود في ألمانيا»، ما سيضمن تدخل المصرف المركزي الأوروبي.
والأمر الآخر الذي يجب أن يُحسب حسابه، وفق إليوت، هو ردّ فعل الرئيس فلاديمير بوتين، «فلا أحد يعلم كيف يمكن أن يتصرف إزاء أكثر الظروف الاقتصادية تحدياً منذ عام 1998، وخصوصاً أن روسيا يحكمها رئيس قادر على إشاعة الشعور بأن بلاده ما زالت تحظى بالنفوذ العسكري والجيو- سياسي».