اتجهت الأنظار، قبل أسبوع، إلى قصر الرئاسة التركي الجديد، تترقب نتائج زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتركيا، ولقاءه نظيره التركي، رجب طيب أردوغان، في هذا الوقت الدقيق تحديداً. لكن سرعان ما خابت الآمال السياسية المعقودة على تلك الزيارة، حيث بدت الملفات الكبرى، كالأزمتين السورية والأوكرانية، غائبتين عن تصريحات الرئيسين، لمصلحة العلاقات الاقتصادية الثنائية، إذا ما استثنينا الأدبيات الدبلوماسية في الملفين الدوليين المفصليين.


قد يرى المتابع للعلاقات الروسية التركية، «لغزاً» ما، حيث لا يخفي الانسجام الاقتصادي التباعد الهائل والجلي بين الدولتين في السياسة الخارجية. بدءاً من الرؤية والأداء المختلفين إزاء ملفات دولية مفصلية كالأزمتين السورية والأوكرانية. مع ذلك، لم يتحوّل هذا التباعد إلى نزاعات علنية، على الرغم من الضجة التي تتسم بها خطابات أردوغان في انتقاد خصومه ومعارضيه. هذا «اللغز»، يرجعه تقرير لمركز «كارنيغي»، إلى كون روسيا وتركيا «تمكنتا من تجزئة علاقاتهما، وهذا عائد للبراغماتية والواقعية السياسية لديهما».

الغاز الطبيعي أولاً

وقّع بوتين وأردوغان، الاثنين الماضي، اتفاقيات عدة في مجال التجارة الثنائية، حيث أملت الدولتان أن يصل حجم تجارتهما السنوية إلى 100 مليار دولار عام 2020، غير أن أهم منجزات اللقاء كان اتفاقية توسيع التعاون في مجال تجارة الغاز الطبيعي، حيث تقرر في الزيارة، زيادة سعة أنبوب «بلوستريم» للغاز، لتصبح صادرات الغاز الروسي إلى تركيا أكثر بثلاثة مليارات متر مكعب، بسبب حاجة تركيا المتزايدة إلى الطاقة، إلى جانب خفض أسعار الغاز بنسبة 6%، اعتباراً من الأول من كانون الثاني المقبل، وفق ما أعلن بوتين.
في الواقع، إن المصالح الاقتصادية التي تربط روسيا بتركيا متينة وملّحة إلى درجةٍ يرى معها كثيرون أن «من الغباء التضحية بها لحساب السياسة الخارجية». هذه العلاقات تشمل قطاعات عدة، مثل الاتصالات، الزراعة، المنتجات الغذائية والأدوية، ولكن يبقى لمجال الطاقة حصة الأسد منها.

التقارب بين موسكو
وأنقرة حتى لو بدا براغماتياً هو شراكة استراتيجية

تستورد تركيا 93% من حاجتها النفطية، 97% منها من الغاز الطبيعي. من هذه النسبة، تشتري 60% من روسيا، لتكون بذلك ثاني أكبر مستورد للغاز الطبيعي الروسي بعد ألمانيا. وفي تقرير للباحث الفرنسي ريمي بارجو عن العلاقات الاقتصادية الروسية التركية عام 2013، يتضح أن قيمة التصدير التركي إلى روسيا، لا تتجاوز الـ 6 مليارات دولار، فيما وصل التصدير الروسي إلى تركيا، إلى 23 مليار دولار، 17.9 ملياراً منها من الطاقة الأحفورية (نفط وغاز).
العلاقات في مجال الطاقة بين الدولتين تعود إلى عام 1984، عندما وقعت تركيا، العضو في «شمال الأطلسي»، على اتفاقيةٍ مع الاتحاد السوفياتي لشراء الغاز الطبيعي لمدة 25 عاماً. هذه الاتفاقية، فتحت باب التبعية التركية لروسيا في مجال الطاقة، إذ يمكن القول إنه منذ ذلك الحين وتركيا معتمدة بشكلٍ كامل على الغاز الروسي، وفي وقتٍ يتم فيه توليد 50% من الكهرباء في تركيا عبر الغاز، هي تستخدم 55% من كمية الغاز الروسي لهذه الغاية.

لا بدائل لتركيا

خلال السنوات العشر الماضية، التقى فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان أكثر من ثلاثين مرة، لم تكن الدولتان خلالهما على انسجامٍ سياسي، غير أن الطرفين يعلمان جيداً أن الرؤى السياسية تبقى جانباً حين يتعلّق الأمر بأرقام هائلة في مجالات حيوية كالغاز الطبيعي.
وإذا كانت تركيا مترددة حيال السياسة الغربية في منطقة الشرق الأوسط، فهي على مسافة بعيدة جداً، من الخيارات الغربية تجاه روسيا، في المسألة الأوكرانية. من المنظور الاقتصادي البحت، لا تستطيع تركيا اللحاق بالولايات المتحدة وبالاتحاد الأوروبي في مسألة العقوبات على روسيا، عبر إيقاف مستويات من التجارة معها. ففي ظلّ الأوضاع غير المستقرة على حدودها، لا تملك أنقرة خيارات بديلة كثيرة في مجال الطاقة، وخصوصاً أن العقود الجزائية التي تخضع لها تركيا في استيراد الغاز الروسي، تجعلها عاجزة عن القيام بأية مغامرة سياسية مع المصدّر الأضخم.

تلميح غربي إلى تحالف محتمل

لم يجد الرئيس الروسي أفضل من تركيا، ليعلن منها تعليق بناء مشروع «ساوث ستريم» الذي كان من المفترض أن ينقل 63 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً عبر البحر الأسود إلى جنوب أوروبا مروراً ببلغاريا. في المقابل، جرى توقيع مذكرة تفاهم بين شركة «غازبروم» الروسية وشركة «بوتاش» التركية لبناء خط أنابيب بحري يربط بين البلدين عبر البحر الأسود لنقل 63 مليار متر مكعب سنوياً، بينها 14 مليار متر مكعب ستذهب إلى تركيا، وهو ما يعادل تقريباً ما تشتريه حالياً.
هذه الخطوة التي تحمل رسائل روسية في أكثر من اتجاه دولي، تؤكد أن السياسة كانت الحاضر الأبرز في لقاء الرجلين المثيرين للجدل. فهو لقاء بين العدو الأول للغرب حالياً، وبين الرئيس الذي لم يخضع للحسابات الغربية في الشرق الأوسط تماماً بعد، لتحفظه عن الانخراط في الحرب الأميركية على تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في الأراضي السورية والعراقية، في وقتٍ تمثل فيه تركيا بوابةً جغرافية مزدوجة لروسيا على منطقتي المشرق العربي وشرق أوروبا، حيث تخوض حرباً مع الغرب، كسرت فيها الأحادية القطبية العالمية. لذا، انشغلت الصحافة الغربية قبل زيارة بوتين لأنقرة وبعدها، بالحديث عن أوجه الشبه «الكبيرة» بينه وبين أردوغان.
ولكن، قد يرى البعض أن «الصداقة» بين الدولتين مهما كانت قوية، ستصطدم في النهاية بجدار عضوية تركيا في حلف «شمالي الأطلسي»، وبوضعها قيد الانضمام في الاتحاد الأوروبي. في حين يرى آخرون أن التقارب بين روسيا وتركيا، حتى لو بدا براغماتياً آنياً، هو شراكة استراتيجية، ستؤثر في السياسة الخارجية للبلدين على المدى البعيد. مجلّة «فورين بوليسي» الأميركية، رأت أن تطوير علاقات أردوغان ببوتين، سيجعل «وضع أنقرة أصعب مع أوروبا والولايات المتحدّة، في وقتٍ لن تكون فيه أنقرة وموسكو مسرورتين إذا سعت أوروبا إلى أنابيب غاز بديلة، كتلك التي تصل إيطاليا باليونان وقبرص وإسرائيل».
وتشير الصحيفة الأميركية في سياق التلميح إلى «تحالفٍ سياسي محتمل بين الدولتين»، إلى مواقف مستجدّة في الإدارة الأميركية من أردوغان، حيث أدت التصريحات الأخيرة للرئيس التركي ببعض المسؤولين في واشنطن، في جلساتهم الخاصة، إلى السؤال عما إذا كان أردوغان «قد فقد عقله». وتتابع: «من الطبيعي بالنسبة إليهم، أن تكون هناك خلافات بين تركيا والغرب من وقتٍ لآخر، ولكن هم يقولون إنه إذا كانت أنقرة تريد البقاء في حلف شمالي الأطلسي، فعلى أردوغان أن يغيّر في خطابه قريباً».