لا يمكن تقدير الأذى الذي لحق بالصناعة العسكرية الروسية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وهو ما أدى إلى تراجع القوة التقليدية الروسية على نحو كبير أمام حلف الشمال الأطلسي والخصوم الغربيين المحتملين. هذا يعود، جزئياً، إلى التخبط المالي والتنظيمي الذي وقعت فيه الدولة الروسية خلال سنوات التسعينيات، فألغي العديد من البرامج، وتقلّصت قدرات الجيش، وخسرت الدولة الكثير من كفاءاتها في مجال البحث العلمي، وتركت المعدّات المتقادمة لتصدأ من دون صيانة وتحديث.


من جهةٍ أخرى، فإن تقسيم الاتحاد السوفياتي، بحد ذاته، حرم روسيا الكثير من مواردها الصناعية، فقد كان الحوض الأساسي لبناء البوارج الحربية، مثلاً، يقع في أوكرانيا، وقواعد تجربة وإطلاق الصواريخ البالستية في كازاخستان؛ ولم تتمكن روسيا ـ خلال سنوات الفاقة ـ من استبدال هذه البنى الأساسية التي فقدتها.
لهذه الأسباب، فإن الغالبية العظمى من الأسلحة الروسية التي تُنتَج اليوم، حتى الأنظمة «الجديدة» (كالـ«أس ـ 300» و«سوخوي ـ 34» وصواريخ «توبول» الاستراتيجية والغواصات)، هي من ذريّة مشاريع أطلقت خلال الفترة السوفياتية، أو خطّط لها خلال الثمانينيات وتأخر تنفيذها، أو هي تطوير لأسلحة سوفياتية موروثة. أما دبّابة الـ«آرماتا»، فهي تعبيرٌ عن جيلٍ جديدٍ من السلاح، صُمّم بالكامل في روسيا بعد انتهاء الحقبة السوفياتية، وهو يعبّر عن نظرة روسية بحتة تجاه جيش المستقبل وعقيدة القتال التي سيُعمل بها في السنوات المقبلة.

فلسفة جديدة

برغم كلّ الكلام عن الجيل الجديد من المدرّعات الرّوسيّة، فإننا لا نملك حتى اليوم صورةً واحدة عن الشكل النهائي للـ«آرماتا» وأخواتها، الا أن مرحلة التصميم انتهت، ووقّعت الحكومة الروسية عقداً مع شركة «أورال فاغون زافود» لإنتاج الدبابة التي ستعرض على الجمهور لأول مرة خلال العرض العسكري لـ«يوم النصر» في موسكو، في 9 أيار المقبل (يقول المسؤولون الروس إن 24 نموذجاً من الـ«آرماتا» ستسير في العرض، 12 دبابة، يُرمز اليها بـ«تي - 14»، و12 عربة مقاتلة، إضافة إلى 36 نموذجاً للـ«إخوة الصغار» للـ«آرماتا»: 24 «كورغانتس» و12 «بومرانغ»).

غير أن تفاصيل وافية عن جيل الدبابات الجديد خرجت إلى الإعلام، وهي تبشّر بولادة عقيدة مختلفة تماماً لجيش البرّ الرّوسي. علينا أن نفهم، أولاً، أن الموضوع لا يتعلّق فحسب بإنتاج دبابة جديدة، أي الـ«آرماتا»، لاستبدال أسطول الـ»تي ـ 72» والـ»تي ـ 90» الذي مثّل عماد سلاح المدرعات الروسية لعقود طويلة. الخطة تقضي بإنتاج ثلاث مدرّعات مختلفة، أو بالأحرى ثلاث فئات من المدرّعات، لتكوّن ـ معاً ـ العمود الفقري للجيش الروسي «الجديد» بعد اكتمال عملية إصلاحه.
التصاميم الأولى لهذه المدرّعة الثقيلة هي الـ«آرماتا»، والثانية مجنزرة متوسّطة، اسمها «كورغانتس ـ 25»، والثالثة مدولبة خفيفة اسمها «بومرانغ»، ستدخل جميعها الخدمة في الوقت نفسه. افترض المحللون في البداية أن الـ«آرماتا» ستكون الدبابة الثقيلة، بينما الـ«كورغانتس» هي ناقلة الجند المدرّعة (كبديل للـ«بي أم بي» الشهيرة)، والـ«بومرانغ» ستؤدي دور الناقلة الخفيفة، إلا أن الأيام أثبتت خطأ هذه النظرة، وأن جيل المدرعات المقبل يعكس فلسفة مختلفةً تماماً عن السابق، وأنه جزءٌ من بنية وتنظيم جديدين للقوات المدرّعة الروسية.
يجب التفكير في المدرّعات الثلاث على أنها ثلاث عائلات من العربات المقاتلة، لا يملك أي منها دوراً محدّداً، إنما هي عبارة عن «منصات» يمكن أن تجهّز كدبّابة أو كعربة مقاتلة أو كناقلة جند أو كمدفع ذاتي الحركة إلخ... بمعنى آخر، سيكون هناك دبابة «آرماتا» ثقيلة وزنها 55 طناً، ودبابة «كورغانتس» متوسطة وزنها 25 طناً (مجهّزة بالمدفع نفسه من عيار 125 ملم)، وناقلة جند ثقيلة على شاسيه الـ«آرماتا» وناقلات جند خفيفة ومتوسّطة تقوم على الـ«كورغانتس» والـ«بومرانغ»، وهلم جرّا.
حتى نفهم مغزى هذه البنية، يجب أن ننظر اليها من ضمن خطة إصلاح وإعادة هيكلة الجيش الروسي التي ابتدأت على نحو جدي وحثيث بعد حرب جورجيا عام 2008، حين تبيّن جلياً للرئيس فلاديمير بوتين أثر السنوات الماضية في إضعاف المستوى القتالي للجيش، وأن جيش روسيا غير المحترف الذي لا يزال، تنظيماً وتجهيزاً، تركةً سوفياتية، ليس قادراً على خوض الحرب الحديثة اليوم.
الكلمة ـ المفتاح هنا هي «توحيد المقاييس» (standardization) في الألوية المقاتلة. بدلاً من تقسيم التشكيلات الروسية إلى ألوية دبابات وألوية مؤللة وغيرها، سيكون هنالك ثلاث فئات في الجيش الروسي: لواء ثقيل (سلاحه الـ«آرماتا»)، لواء متوسط (يعتمد الـ«كورغانتس») ولواء خفيف (مع عربة الـ«بومرانغ» المدولبة). حالياً، يمكن أن تجد في كلّ لواء روسي دزينة أو أكثر من أصناف العربات: دبابات، عربات نقل وإصلاح، عربات دفاع جوي، عربات لوجستية؛ كلّ منها يملك محرّكاً مختلفاً عن الآخر/ ويحتاج إلى قطع غيار وفنيين متخصصين. في المستقبل القريب، سيصير اللواء الثقيل، مثلاً، مجهّزاً حصراً بمعدات قائمة على الـ«آرماتا» (دبابات، ناقلات جند، عربات إصلاح، دفاع جوي إلخ...)، فيما اللواء المتوسّط يعتمد على مشتقات الـ«كورغانتس». هكذا، تصير كلّ عربات اللواء من معيار واحد، تستعمل المحرّك نفسه، والجنزير نفسه، وآلية ميكانيكية مشتركة، ما يبسّط إلى حدّ بعيد مهمات الادارة والصيانة، ويجعل أكثر الاحتياجات اللوجستية مشتركة لكلّ آليات اللواء ـ وهذا يعني أيضاً أن كلّ عربات التشكيل ستتمتّع بمستوى الحركية ذاته.

نهاية عهد الـ»تي ـ «72

تقول مصادر رسمية إن دبابات الجيل الجديد سوف تدخل الخدمة في الجيش الروسي بكميات كبيرة ابتداءً من عام 2016 ـ 2017، وإن الحكومة الروسية ستطلب تصنيع 2300 دبابة من نموذج الـ«آرماتا» (تي ـ 14) وحده بحلول عام 2020.
الجيش الروسي يعتمد حالياً على دبابة «تي ـ 72» القديمة مع تحديثاتها المستمرّة وصولاً إلى الـ«تي ـ 90»، وهي تطويرٌ جذري للـ«تي ـ 72» يتضمّن محركاً جديداً، ومدفعاً محدثاً، وآلية تلقيم جديدة، إضافة بالطبع إلى التدريع الاضافي ووسائط إلكترونية وإدارة معركة حديثة. وقد كانت القيادة الروسية تفكّر في أن تبني دبابة الجيل المقبل على هيكل الـ«تي ـ 72» أيضاً، وأعدّت تصاميم أوّلية له، حتّى ألغي المشروع عام 2010 وجرى الانصراف إلى مفهوم جديد بالكامل للقتال المدرّع، كانت الـ«آرماتا» نتيجته.

ستظهر آرماتا للمرّة
الأولى في «عرض النصر» في موسكو السنة القادمة

يشتكي بعض الخبراء الروس من ارتفاع سعر الـ«آرماتا»، الذي يبلغ للنماذج الأولى ـ بحسب مصادر غير رسمية ـ أكثر من 400 مليون روبل للدبابة الواحدة، أي ما يقارب 7،5 ملايين دولار، وهو ما يفوق كلفة الدبابات الغربية، ويوازي سعر أكثر من أربع دبابات «تي ـ 90» حديثة. هذا يمثّل تعديلاً مهماً في عقيدة السلاح الروسي، والاتحاد السوفياتي فهم منذ السبعينيات أنه لن يتمكّن من منافسة الدبابات الغربية الحديثة والمعقّدة التي بدأ إنتاجها في دول حلف شمال الأطلسي، لارتفاع ثمنها وكلفة صيانتها. فكانت الـ«تي ـ 72» نموذجاً بسيطاً نسبياً، رخيصاً، وسهل التصنيع والصيانة، مكّنت الجيش الأحمر من نشر أعدادٍ كبيرة من الدبابة الرشيقة والمزوّدة بمدفع ثقيل من عيار 125 ملم، عوضاً عن الاكتفاء بعدد قليل من الدبابات المعقّدة.
الـ«آرماتا» غالية لأنها تحتوي على آخر ما وصلت اليه التكنولوجيا المتقدّمة في عالم الدبابات اليوم: تدريع متطوّر، وسائل حماية هامدة ونشطة (تعترض المقذوفات الموجهة ضد الدبابة وهي في الجو)، رادار للرصد (أكثر من رادار في الحقيقة، فهناك رادار متطور، يماثل ذاك الذي في الطائرات الحديثة لرصد الأهداف الأرضية والجوية، ورادار موجة ميليمترية صغير لتشغيل نظام الدفاع النشط)، وسائط استطلاع ورؤية حديثة، إلخ... إضافة إلى ذلك، فإن الـ«آرماتا» ستعتمد على التحكّم الآلي والإلكتروني أكثر بكثير من الجيل السالف: برج المدفع لن يكون مأهولاً، بل يتحرّك عبر التحكم عن بعد، والطاقم سيكون في «كبسولة» خاصة، معزولة عن تجهيزات الدبابة، ما يمنحه حماية إضافية، كما أن الدبابة ستستعمل محركاً جديداً وأنظمة تعليق ومدفعاً صُمّمت خصيصاً لأجلها.
هكذا، تكون روسيا أولى الدول التي ستخرج بدبابات من الجيل الجديد، فيما تستمرّ الدول الغربية في تحديث مدرّعاتها التي أنتجت في السبعينيات. من أهمّ ميّزات الـ«آرماتا» أنها قادرة على جمع متطلبات الدبابة الحديثة (وخاصة التدريع الثقيل) مع إبقاء وزنٍ يقلّ عن ستين طنّاً لنموذج الـ«تي ـ 14»، وأقل من ثلاثين طنّاً للـ«كورغانتس». في الغرب، في المقابل، واجهت أغلب مشاريع المدرعات المستقبلية مشكلة جمع المتطلبات المتزايدة مع وزنٍ مناسب. حين استدرجت الحكومة الأميركية عروضاً لعربة مقاتلة تستبدل الـ«برادلي» والـ«سترايكر»، جاء النموذج المقترح بوزنٍ يفوق 84 طنّاً (لعربة مدرّعة!)، وأكثر من ذلك بكثير للدبابة. لهذا السبب، قرّرت أميركا أن تعتمد على تحديث دبابة الـ«ابرامز»، ذات السبعين طناً، وعلى إبقائها في الخدمة إلى ما بعد عام 2050 (حين يكون عمر الدبابة قد بلغ أكثر من سبعين عاماً).



ميزات الـ«آرماتا» وفرادتها

من الثابت أنه بُنيت نسخ تجريبية من الـ«آرماتا» قبل أشهر، وهي عُرضت على مسؤولين في الجيش الروسي، بعدما أكملت تجاربها الميدانية، وقبل منح عقد الانتاج. الـ«آرماتا» ستكون أوّل دبابة في العالم تستخدم برجاً غير مأهول، يتحرّك عبر التحكم عن بعد، وهو مفهومٌ جرى نقاشه طويلاً في السنوات الماضية ولم يطبّق بعد. الميزة الثانية في الدبابة هي أن أفراد الطاقم الثلاثة سيكونون في «كبسولة» منعزلة، تفصلها طبقات من التدريع عن الملقّم والمدفع، وعن المحرّك أيضاً، وتكون كوّات دخول الطاقم في مقدّمة المدرّعة، وهو عنصر تصميم فريد أيضاً على مستوى العالم.
في المقابل، هذه المميّزات تعني عبوراً كاملاً من عصر الدبابة الميكانيكية إلى الدبابة الإلكترونية، حيث يعتمد عمل أجزاء المدرعة على التحكّم الالكتروني وبرامج الكمبيوتر والاستشعار الحسّاسة، وهو ما قد يخلق، في رأي خبراء عسكريين، نقاط ضعف جديدة لم تكن معهودة في الجيل السابق.