من الواضح أن الأيام المقبلة لن تخلو من تصعيد جديد قد يترتّب على التطورات التي تمرّ بها الأزمة الأوكرانية ونتائجها روسيّاً، وسط حالة الانكماش الاقتصادي التي دفعت الرئيس فلاديمير بوتين إلى إلقاء خطاب، أمس، سخّر معظم مفاصله لانتقادات لاذعة، وإن سعى في مفاصل أخرى إلى الحفاظ على بعض المرونة تجاه الغرب الذي لا ينفك يستفزّ «الدب الروسي»، إن بالتصريحات الحادة أو بالتلويح بعقوبات جديدة.


وأمس أيضاً استعاد وزير الخارجية الأميركي جون كيري خطاب رئيسه باراك أوباما، المحذّر من العزلة الروسية على الساحة الدولية. ورغم أن الدول الغربية بشكل عام، والولايات المتحدة بشكل خاص، لا تنفك تربط التصعيد من قبلها بالتصرّفات الروسية، لم يمنع ذلك بوتين من التشديد على أنه حتى من دون قضيتي القرم وأوكرانيا، «كانوا سيختلقون أي شيء لكبح قدرات روسيا المتنامية»، فـ«هذه الطريقة في التصرف ليست بالأمر الجديد»، وفق رأيه.
وفي خطاب أمام الجمعية الاتحادية في موسكو، وصف بوتين بلاده بأنها محاطة بأعداء يسعون لتدميرها. وقال إن «العقوبات (بحق روسيا) لم تكن مجرد ردّ فعل متوتر من الولايات المتحدة وحلفائها»، مؤكداً أنه لن يسمح «للغرب بتنفيذ سيناريو تقسيم يوغوسلافيا في بلادنا».
ولدى عرضه حصيلة العام الذي شهد الأزمة الأوكرانية، أكد بوتين أن روسيا «أثبتت أنها قادرة على الدفاع عن مواطنيها»، في إشارة واضحة إلى جمهورية القرم التي انضمت إلى الاتحاد الروسي، وأيضاً إلى مناطق الشرق الأوكراني التي تشهد، منذ نيسان، معارك بين الجيش الأوكراني وانفصاليين مدعومين من موسكو.
ولكن بوتين حاول إظهار بعض اللين في خطابه، وهو إن انتقد الولايات المتحدة التي «تسعى للتأثير، سواء عبر الكواليس أو مباشرة، على علاقاتنا بجيراننا»، إلا أنه أشار إلى أن روسيا «لا تعتزم بأي حال قطع علاقاتها مع أوروبا وأميركا».
وفي ما يتعلّق بالاقتصاد الروسي الذي بات على شفير الانكماش، وعد بوتين بإجراء سلسلة إصلاحات. واقترح إعفاء رؤوس الأموال التي تعود إلى روسيا من أي ضرائب أو عقوبات أخرى، كما دعا المصرف المركزي والحكومة إلى اتخاذ تدابير صارمة ومنسّقة لمحاربة من سمّاهم المضاربين في سوق الصرف الأجنبي.
وفي الوقت الذي كان فيه بوتين يلقي خطابه، كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري يتحدث أمام اجتماع وزراء خارجية «منظمة الأمن والتعاون في أوروبا»، ويقول إن روسيا وضعت نفسها في عزلة بسبب تصرفاتها في أوكرانيا ولا يمكنها إعادة بناء مصداقيتها الدولية إلا اذا أنهت دعمها للانفصاليين الموالين لها. وبعد بضع ساعات من خطابه هذا، أجرى كيري محادثات ثنائية مع وزراء خارجية كل من روسيا وأوكرانيا وجورجيا، احتلّت الأزمة الحالية في أوكرانيا صدارة جدول أعمالها.
وإذ اتهم كيري موسكو بالإخفاق في الوفاء بتعهداتها في اتفاق مينسك الذي أبرم في أيلول لوقف إطلاق النار، أشار أيضاً إلى أن «الولايات المتحدة والبلدان التي تدعم سيادة أوكرانيا وحقوقها لا تسعى إلى مواجهة». وهو رأى أن الحل للأزمة بين موسكو والدول الغربية يكون من خلال «مساهمتها ببساطة في تهدئة التوتر واتخاذ خطوات لتنفيذ اتفاق مينسك». وإضافة إلى ذلك، وضع كيري شرطاً آخر على روسيا وهو أنه «يتعيّن عليها سحب القوات الروسية والأسلحة من شرقي أوكرانيا واستخدام نفوذها لدى الانفصاليين المؤيدين لروسيا لدفعهم إلى إطلاق سراح كل ما لديهم من رهائن»، مشيراً إلى أن دعم الانفصاليين أضرّ بروسيا.
من جهته، أكّد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن تفادي الدراما الأوكرانية كان وارداً، منذ العام الماضي، لكن بروكسل تخلّت عن المفاوضات الثلاثية وساندت الانقلاب. وأشار لافروف الى أن «المنطقة الأوروأطلسية تعاني من أزمة حقيقية، ومن الضروري البحث عن مخرج لها». وقال: «جماعياً فقط يمكن إيجاد الطريق إلى الأمام على أساس الاستنتاجات الصحيحة من دروس الماضي».
ووصف لافروف «محاولات إثبات احتكار الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي فقط للحقيقة» بـ«الكارثية»، مؤكداً أن بلاده لا تتفق مع هذا الطرح.
وفي هذه الأثناء، أعلنت الرئاسة الأوكرانية والانفصاليون الموالون لروسيا، أمس، وقفاً تاماً لإطلاق النار في الشرق الانفصالي الأوكراني، اعتباراً من التاسع من كانون الأول، في محاولة جديدة لوضع حدّ للمعارك الدامية في هذه المنطقة.
وذكرت الرئاسة، في بيان عقب اجتماع للرئيس بترو بوروشنكو مع قادة الجيش وقوات الأمن، أن «يوم الهدوء سيبدأ في التاسع من كانون الأول». وأفاد مصدر في الرئاسة وكالة «فرانس برس» بأنه «إذا تمّ احترام ذلك، فإن سحب الأسلحة الثقيلة (من خط الجبهة) سيبدأ في العاشر من كانون الأول». كذلك أكدت سلطات الجمهوريتين المعلنتين من جانب واحد المعلومات بشأن وقف إطلاق النار.
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)