صحيح أنّ منطقة القطب الشمالي تشتهر بجليدها، ومناخها البارد على نحو مخيف، إلا أنّ الصراع عليها هو أسخن ما يكون.

تضمّ المنطقة أطراف أوراسيا وأميركا الشمالية، وتقريباً كل المحيط المتجمد الشمالي، باستثناء الجزر الساحلية النرويجية، والقسمين من المحيطين الأطلسي والهادئ، القريبين من المنطقة. تبلغ مساحتها 27 مليون كيلومتر مربع.

تعاظم الاهتمام بهذه المنطقة خلال العقد الماضي، وأعاد أحد أوجه صراعات الحرب الباردة إلى الساحة بقوة. وإذا ما تركنا جانباً أهمية السيطرة على المناطق في لعبة الأمم، يبقى سبب مباشر للحراك القطبي أخيراً: المحيط المتجمد الشمالي يحوي قرابة 20% من الاحتياطي العالمي غير المكتشف، والقابل للاستخراج، من النفط والغاز، بحسب التقرير الشهير لمعهد المسوحات الجيولوجية الأميركي الصادر عام 2008.
تتضمّن تلك الكمية 90 مليار برميل نفط و1،67 تريليون قدم مكعب من سوائل الغاز الطبيعي، معظمها موجود على عمق أقل من نصف كيلومتر. هذا يعني أن استخراج الموارد ليس معقداً، وخصوصاً مع استمرار ذوبان الجليد بمعدلات متزايدة نتيجة الاحتباس الحراري. فمنذ عام 1981، يخسر القطب، سنوياً، أكثر من 46 ألف كيلومتر مربع من غطائه الجليدي.
ثروة الشمال لا تقتصر فقط على الموارد البترولية، بل هناك أيضاً كميات كبيرة من الماس والذهب والقصدير والمنغنيز والنيكل والرصاص والبلاتين.
في ظلّ هذه المعطيات، يزداد تضارب المصالح الاستراتيجية بين البلدان الخمسة المحيطة بالقطب: روسيا، الولايات المتحدة، كندا، النرويج والدانمارك.
وبسبب هذا الصراع الذي تكبحه، نسبياً، الحرارة المنخفضة، إنما لا تجمده كلياً، شُكّل مجلس المحيط المتجمد الشمالي، الذي يضمّ إضافة إلى البلدان الخمسة المذكورة، ثلاثة بلدان أخرى هي: فنلندا، آيسلندا والسويد. ويُعدّ هذا المجلس الذي أسّس عام 1996 منظمة دولية رئيسية تبحث في إطارها مشاكل منطقة القطب. من بين مهمات المجلس الرئيسية حل مشاكل البيئة، وتطوير التعاون، والدعم الاقتصادي والثقافي والاجتماعي لشعوب المنطقة. وعلى الرغم من تأكيد القيّمين على المجلس أنّ مصالح بلدانه ستُحفظ بروح من الصداقة والتنسيق الدبلوماسي، إلا أن المواجهة تأخذ طابعاً شرساً في أكثر من مجال، وخصوصاً مع تعاظم أطماع بلدان أخرى مثل الصين التي ستدخل المجلس كعضو مراقب مع مجموعة من الدول.

الترقب هو سيد الموقف حول مصير إحدى آخر المناطق الغنية غير المستغلّة

فعلياً، بدأت ملامح الصراع تظهر فعلياً عام 2007، حين نظمت روسيا بعثة (منطقة القطب الشمالي) بهدف إقناع الرأي العام العالمي بحقها في السيطرة على جزء من سلسلة لومونوسوف الجبلية، والتي تبلغ مساحتها 1،2 مليون كيلومتر مربع. وقد أكدت نتائج الدراسة الأولية للمواد الجيولوجية: أنّ هذه السلسلة الجبلية تعدّ تتمة تركيبية للقاعدة القارية السيبيرية التابعة لروسيا.
وتطمح حالياً روسيا والولايات المتحدة وكندا والنرويج والدانمارك إلى السيطرة على تلك السلسلة المغمورة بالمياه، والتي تمتدّ لمسافة 1800 كيلومتر في القطب الشمالي.
وبينما يعزز الكرملين وجوده العسكري في منطقة، لن يستطيع معظم قاطني المعمورة الصمود فيها، فإنّ البعثات الروسيّة مستمرة. ففي عام 2013 طلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من وزارة الدفاع التركيز على بناء بنية تحتية، ومراكز عسكرية في القطب، مؤكداً أن هذه المنطقة هي مفتاح المصالح الوطنية والاستراتيجية الروسية. كذلك أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي دميتري روغوزين، أن توسيع الوجود في منطقة القطب الشمالي هو مسألة أمن قومي بالنسبة إلى روسيا، نظراً إلى أن مسؤولين غربيين بحثوا منذ عام 2009 أو 2010 في واشنطن وبروكسل وأوتاوا، وغيرها من العواصم، خطط زيادة النشاط العسكري في منطقة القطب الشمالي، وذلك تحت غطاء الطموحات الاقتصادية.
حالياً، تؤمن منطقة القطب 11% تقريباً من الدخل القومي الروسي. وتنشأ هنا نسبة 22% من الصادرات الروسية كلها. ويُستخرج في هذه المنطقة 90% من النيكل والكوبالت و60% من النحاس و96% من البلاتين. وقد اكتشفت في الجرف القاري مطمورات صناعية من الذهب والقصدير والماس.
ولكن أبعد من الموارد الأولية، تسعى موسكو إلى تأكيد سيطرة عسكرية لها صدى سياسي، تُعدّ أحد أوجه الحرب الباردة الجديدة، وضمانةً للأمن القومي. وبحسب قائد سلاح البحرية الروسي، الأميرال فيكتور تشيركوف، فإن "لمسرح العمليات الحربية في منطقة القطب الشمالي أهمية جغرافية، وعسكرية استراتيجية، إذ تلعب قوات وسفن الأسطول الشمالي والهادي، وقوات الدفاع الجوي دوراً رئيسياً في ضمان الأمن العسكري لروسيا".
من الممكن فهم حجم المصالح الروسية، من تقويم حاجتها إلى تطوير مصادر الطاقة، إضافة إلى إحياء طريق ملاحي عبر الجليد.
وخلال السنوات الأخيرة، زاد الاهتمام بالملاحة في المحيط المتجمد الشمالي، اذ إنّ الخبراء يرون أنه سيصلح للملاحة تماماً في موسم الصيف، بحلول عام 2030 بسبب ذوبان الجليد. في أيلول 2009، مرّت سفينتا شحن ألمانيتان بالدرب البحري الشمالي، ومباشرة بالقرب من ساحل روسيا الشمالي، عابرتين من كوريا الجنوبية إلى أوروبا، وذلك من دون أن تستعينا بمساعدة كاسحات الجليد.
وعادةً، تسير السفن التجارية من آسيا إلى أوروبا عبر المضائق الجنوبية وقناة السويس. ويبلغ طول هذا الطريق 11 ألف ميل بحري. أما استخدام الدرب الشمالي فيقلص الطريق بنحو خمسة آلاف كيلومتر.
الأرباح كبيرة في هذه المنطقة إلى درجة أن الصين تدخل بقوة لتعزيز خطوطها التجارية. في عام 2012، تمت أولى الرحلات الصينية عبر المحيط المتجمد، ومن المتوقع أن يتعزز هذا الطموح عبر تطوير الأسطول التجاري المخصص لسبر أغوار الشمال.
ولكن رغم كل المصالح المتضاربة، يبقى للوجود الروسي خصوصية فريدة. ووفقاً لما نقلته صحيفة «غارديان» عن مصدر دبلوماسي بريطاني أخيراً، فإن «بوتين يريد أن تكون روسيا قوية، وحاجة الغرب إلى الإمدادات النفطية والغاز هي المفتاح الاستراتيجي (لتحقيق ذلك). كما أنه لم يعد يأبه للانزعاج الغربي».
بوتين نفسه أكد هذا الكلام في أكثر من مناسبة. وقد قال في اجتماع مجلس الأمن القومي في وقت من هذا العام: «بنت روسيا مواقعها وعززتها في المنطقة القطبية الشمالية خطوة بخطوة على مدى عقود. هدفنا ليس استعادتها فحسب وإنما تقويتها بشكل نوعي». وأكد ضرورة تعزيز الوجود العسكري حمايةً لأمن البلاد.
فعلياً، الصراع لا يحسمه الروسي وحده، ولا الأدوات العسكرية حصراً. ففي إطار «التعاون» بين البلدان المعنية وقّعت روسيا والنرويج معاهدة ترسيم الحدود في بحر بارنتس والمحيط المتجمد الشمالي. أما كندا، التي تُعدّ أحد أهم البلدان الناشطة في هذا المجال، فتؤكد أنّ سلسلة لومونوسوف تبدأ من القارة الأميركية. وفي بداية العام الماضي قال وزير خارجيتها، جون بيرد، إنّ أوتاوا تخطط لتقديم مطالبات اقليمية في المنطقة القطبية الشمالية لكي تضم القطب الشمالي. ورغم افتقارها إلى الدليل العلمي حالياً لدعم مزاعمها، أكد بيرد أنه "خلال الأشهر والسنوات المقبلة ستكون كندا قادرة على الانتهاء من بلورة مطالبها بالقطب الشمالي".
من جهتها، طرحت الدانمارك فرضية تفيد بأن: سلسلة الجبال هذه هي امتداد لجزيرة غرينلاند التي تُعدّ أرضاً دانماركية.
ولم توقّع الولايات المتحدة على (اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار) بحجة أنها تمنح كثيراً من السلطة للأمم المتحدة، لذلك لا يحق لها رفع الطلب الرسمي إلى اللجنة الخاصة بالمجلس. وذلك على الرغم من الأصوات المتعاظمة في مجلس الشيوخ التي تقول إنّ عدم التوقيع يفيد الروس في نهاية الأمر.
والاتفاقية هي الوسيلة الوحيدة لتسوية النزاعات حول حقوق الاستغلال، والطرق الملاحية في المياه الدولية في العالم، وكانت روسيا قد صدّقت عليها بالإضافة إلى 152 دولة أخرى. ووفقاً للاتفاقية "يمكن لأي بلد أن يطالب بحقوقه في قاع البحر وصولاًً إلى مسافة تبعد 200 ميل بحري عن منطقته الاقتصادية الخالصة، إذا أثبت أن قاع البحر امتداد طبيعي لجرفه القاري". غير أن واشنطن ليست أبداً نعجة في هذا المشهد القطبي. فقد نشرت أخيراً 27 ألف جندي وخبير في آلاسكا، لتوسيع فهمها للبيئة القطبية الشمالية، وتعزيز وجودها فيها.
ويُشار هنا إلى أن الرئاسة الدورية، لمجلس القطب الشمالي، ستكون لصالح الولايات المتّحدة العام المقبل، ما سيعطيها دوراً متقدماً على هذا الصعيد.
ماذا ستفعل واشنطن خلال المرحلة المقبلة؟ الترقّب هو سيد الموقف حول مصير إحدى آخر المناطق الغنية غير المستغلّة، والتي تمثّل في الوقت نفسه فتيلاً محتملاً. ولكن رغم كلّ تعقيد السياسة الدولية، يُمكن تأكيد مسألتين. الأولى هي أنّ الروس لديهم المصالح والقدرات الأكبر في القطب، حتّى الآن بالحد الأدنى، وفقاً لما يؤكده الخبراء من مختلف الخلفيات.
أما المسألة الثانية، فهي أنّ الاهتمامات البيئية في هذه المنطقة هي آخر الأولويات، وذلك على الرغم من أنّها تُعدّ «مفتاح تنظيم المناخ العالمي» على حد تعبير قائد فريق "السلام الأخضر للقطب الشمالي" غوستافو أمبوجنيني.




مستقبل الاقتصاد العالمي رهن أوضاع القطب الشمالي
يرى بعض المراقبين والخبراء أنّ مستقبل الاقتصاد العالمي، بصيغته الحالية، هو رهن ما ستؤول إليه الأوضاع في منطقة القطب الشمالي. إذ مع ذوبان الجليد بمعدلات متزايدة تكثر فرص الاستغلال الاقتصادي. ومنذ عام 1979 خسرت المنطقة 40% من جليدها، ما فتح طريقين للنقل البحري: الأولى هي الدرب الشمالي، والثانية هي الممر الشمالي الغربي. وإضافة إلى المكاسب التجارية، بدأت شركات الطاقة باستغلال الموارد، وأبرز اللاعبين هنا شركتا غازبرون وروزنفت الروسيتان اللتان تنشطان في بحري كارا وبيشورا.