بدأت الاشتباكات بين الشرطة الأميركية والمحتجين في مدينة فيرغسون التابعة لولاية ميسوري، منذ أكثر من عشرة أيام، عندما قتل الشاب الأسود مايكل براون على يد رجل الشرطة الأبيض دارين ويلسون. ولكن منذ ذلك الحين والأوضاع تتطور إلى الأسوأ. ورغم أنها تشهد تهدئة في بعض الأوقات، تعود الاحتجاجات التي ما تلبث أن تتطوّر إلى اشتباكات مع الشرطة، إلى الاندلاع مجدداً.


الأسباب البديهية وراء انطلاق الاحتجاجات، إضافة الى مقتل الشاب الأسود على يد الشرطة، هي اقتصادية في الدرجة الأولى، وتتعلق بالشعور بعدم المساواة. هذا ما تحدث عنه عدد كبير من المحللين الأميركيين، من بينهم الكاتب توماس إدسال في مقال في صحيفة «نيويورك تايمز».
إدسال يقول إن «أعمال الشغب التي اجتاحت فيرغسون، خلال الأسبوع الماضي، تأتي في أعقاب أكثر من عقد من الركود الاقتصادي، والأسوأ من ذلك أن هذا الركود أثّر في السود أكثر من غيرهم، الأمر الذي يبدو من غير المرجّح أن يتغيّر في المستقبل المنظور». ويوضح إدسال أنه «منذ عام 1965 إلى عام 2000، انخفضت نسبة الفقر بين السود من 41.8 في المئة إلى 22.5 في المئة. ومنذ ذلك الوقت، ارتفعت إلى 27.2 في المئة».


الأسباب البديهية
وراء انطلاق الاحتجاجات هي اقتصادية في الدرجة الأولى

ولكن الأسوأ أيضاً بالنسبة إلى العديد من الكتاب والصحافيين والمحللين، وحتى السياسيين الأميركيين، هو كيفية تعاطي الشرطة مع الحدث. هؤلاء يرون أن هذا الأمر أدى إلى تطوّر الأحداث بشكل سلبي. فأعمال العنف التي كان يقوم بها بعض المحتجين كانت تواجه بأعمال عنف من قبل الشرطة، وهذه الأخيرة لم تكن تفرّق بين من يقوم بالاحتجاج بطريقة سلمية أو غيره الذي تتطوّر تظاهرته إلى أعمال عنف.
السيناتور الجمهوري راند بول كتب في مجلة «التايم» أن «الأميركيين من أصل أفريقي يشعرون بأنهم مستهدفون بردود الفعل العسكرية التي تقوم بها الشرطة». يقول راند بول إنه «نظراً إلى التقارب بين عسكرة تطبيق القانون وتآكل الحريات المدنية، يشعر الأميركيون، وخصوصاً من أصل أفريقي، بأنه يتم استهدافهم من قبل الحكومة».
بول يحذر من الدولة البوليسية، موضحاً أنه «يجب أن يكون هناك فرق بين استجابة الشرطة والاستجابة العسكرية».
مجلة «ذي انتلانتك»، من جهتها، عبّرت عن الموضوع ذاته بطريقة أخرى. «تدمير الجسد» هو ما تقوم به الشرطة ضد السود، بحسب المجلة التي تشير في أحد المقالات إلى أن من بين الحقائق التي تظهر أمام الأميركيين من أصل أفريقي، عند مناقشة موضوع العلاقة مع الشرطة، أن «أقسام الشرطة في أميركا لديها سلطة من الولاية على جسدك».
كاتب المقال نيهتسي كواتس يقول إنه «خلال هذا الصيف برز استعمال هذه السلطة إلى أقصى حدّ في فرغيسون وجزيرة ستاتن، من خلال تدمير الجسد».
«هذا الأمر ليس بجديد ولا خارجاً عن المألوف. لا يهم إن كان القضاء على جسدك هو مبالغة في ردّ الفعل. لا يهم إن كان ناجماً عن سوء تفاهم. لا يهم إن كان نابعاً من سياسة حمقاء. لن تتم محاسبة من قضى على جسدك، وعلى الأغلب فإنهم سيحصلون على مكافأة»، يضيف الكاتب.
ولكن أسوأ ما يشير إليه هو أن «أحداً لن يخضع للمساءلة»، لافتاً إلى أن «جسد مايكل براون ترك في وسط الشارع لأربع ساعات. لا يمكن توقع أن تتم محاسبة أحد».
لم يسلم الصحافيون ومراسلو وسائل الإعلام الأميركية الكبرى من الاعتقالات العشوائية التي انتهجتها الشرطة الأميركية ضد من عرّفوا عن أنفسهم بأنهم صحافيون أو غيرهم ممن لم يعرّف عن نفسه.
«في الساعة الثانية (من صباح الاثنين)، أعلن الرائد رون جونسون، من قسم الدوريات الخارجية في الولاية، أنه تم توقيف 31 شخصاً خلال الليل، لم أكن قادراً على نقل المؤتمر الصحافي، لأنني كنت من بين هؤلاء الأشخاص الذين تم اعتقالهم»، بهذه العبارة يلخَّص تقرير ريان ديفيرو مراسل موقع «ذي انترسبت» الذي نشره بعد خروجه من السجن، إثر تجربته أثناء تغطية أحداث فيرغسون.
يضيف ديفيرو أنه «عند منتصف الليل، كان الصحافيون والمحتجون متجمعين في الشارع، عندما عمّت غيمة من الغاز المسيل للدموع المكان، وبدأ رجال الشرطة ينادون بمكبرات الصوت لإخلاء المنطقة، معللين السبب بمسألة تتعلق بالأمان العام. وعندما طلب عدد من المراسلين توضيحات، كانت الإجابات أنه تم إطلاق رصاص، من دون تقديم إيضاحات أخرى».
يتحدث الصحافي عن أنه «في الوقت الذي قام فيه بعض المحتجين الذين لا يتعدى عددهم اثني عشر بأعمال عنف، كان على الجانب الآخر من الشارع محتجون آخرون يظهر على وجوههم عدم الرضى عن سلوك نظرائهم»، ولكن هؤلاء لم يسلموا من الشرطة أيضاً، بحسب المراسل.
ويقول ديفيرو إنه «مع اقتراب إحدى المدرعات في اتجاهنا، قررنا الخروج رافعي الأيدي والإعلان أننا صحافيون كي لا يطلقوا النار علينا»، مضيفاً أن «أحد رجال الشرطة الموجودين على سطح إحدى المدرعات طلب منّا التقدّم، فتقدمنا وأيدينا مرفوعة والبنادق موجهة إلينا. ولكن مع تقدمنا أطلق أحد رجال الشرطة علينا الرصاص المطاطي، أصبت أنا مرة وزميلي (في صحيفة بيلد) مرتين».
لدى محاولة ديفيرو الاختباء كي لا يصاب بطلقات أخرى، حضر رجال الشرطة وألقوا القبض عليهم، ليعلم بعدها أنه دخل السجن بتهمة عدم الانصياع لأمر فضّ الاعتصام.
(الأخبار)