اسطنبول | صدق رجب طيب أردوغان. والكلام ليس لمحللين ولا لرجال سياسة. هذا ما تقوله صناديق الاقتراع. انتصار كاسح لحزب العدالة والتنمية بالمقاييس كلها، على ما أظهرت النتائج الأولية لانتخابات البلديات التي جرت في تركيا، أمس. والحديث ليس عن أرقام مجردة، بل عن شعبية فاقت ما كانت عليه نسبة تأييد الحزب الحاكم في الانتخابات السابقة في عام ٢٠٠٩. وعن توقيت هو الأسوأ لزعيم الحزب الذي تعرض لسلسلة من الفضائح لم تهدأ منذ أسابيع. تسريبات وهجمات نالت منه ومن وزرائه ومن فريق عمله.


بعضها كشف عما هو مستور من فساد، وبعضه الآخر عن مؤامرات لتوريط تركيا عسكرياً في الأزمة السورية. بل أكثر من ذلك. نتائج ساحقة رغم الانقسام الذي طال معسكره وحاضنته الإسلامية، ربطاً بالحرب المفتوحة بينه وبين الداعية الإسلامي فتح الله غولن.
ولعل الأهم في ما حصل أن عملية الاقتراع هذه تجاوزت بكثير مجرد عملية انتخابية محلية غايتها الأساس اختيار مجالس البلديات في أنحاء البلاد. فبفعل كل الملابسات التي رافقتها، بدا واضحاً أنها استفتاء على شخص أردوغان وسياسة حكومته، سواء الداخلية أو الإقليمية. وهي بهذا المعنى أحبطت الكثير من المحللين ومنظري السياسة التركية الذين راهنوا على ممارسات اعتبروها قاتلة لرئيس الحكومة، من القمع الذي مارسه بحق معارضيه، ومن «معركة حديقة غيزي الشهيرة إلى طرد الصحافيين وسجنهم، مروراً بمعاركه مع المؤسسة العسكرية التي أدت الى إخراجها من الحياة السياسية، وبوعوده الكاذبة للأكراد، ومذهبيته التي ترجمت في حق علويي بلاده، ولا تنتهي بفشل جهوده الأوروبية ولا بهزيمة مشروعه الإقليمي في مصر وسوريا والعراق».
نتائج إن تثبتت مع الانتهاء من فرز الأصوات، إنما تشير الى شيء واحد أحد: بالنسبة للشعب التركي، الأولوية المطلقة تبقى للاقتصاد والتنمية، والذي يجمع الكل على أن «العدالة والتنمية» وزعيمه نجحا في انتشال البلاد من الهاوية التي بلغتها في بداية العقد الماضي، ولا يزالان يحققان الازدهار والرفاه للأتراك.


عملية الاقتراع تجاوزت بكثير مجرد عملية انتخابية محلية


وإذا لم تحصل معجزة، فإن حزب العدالة والتنمية الحاكم سيحصل على 48% من الأصوات على المستوى العام وسيحقق مرشحوه فوزاً كبيراً، بانتظار نتيجة بلدية اسطنبول التي شهدت معركة قاسية بين مرشح «العدالة والتنمية» قادر توباش ومرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض مصطفى ساري غول، وبلدية أنقرة بين رئيسها المحسوب على أردوغان مليح كوكجيك بمواجهة مرشح الشعب الجمهوري، منصور يافاش.
وفيما ساد شعور الانتصار لدى القنوات والصحف المحسوبة على أردوغان، دعا مرشحو حزب الشعب الجمهوري المعارض مؤيديه إلى انتظار النتائج النهائية، بحسب ما صرح مرشحه لرئاسة بلدية أنقرة منصور يافاش.
وتصدر حزب العدالة والتنمية حتى فجر اليوم نتائج الانتخابات وحصل على 47% من الأصوات على المستوى الوطني بعد فرز نحو 59% من الأصوات، بحسب الموقع الرسمي للانتخابات. أما حزب الشعب الجمهوري فحصل على 26% من الأصوات. كما حصل حزب الحركة القومية على 17.6%، وحزب السلام والديموقراطية على 3.4%. وفاز حزب العدالة والتنمية بـ 17 رئاسة بلدية مقابل 7 لحزب الشعب الجمهوري. كما حصل الحزب الحاكم على 48 مقاطعة، وحزب الشعب الجمهوري على 15 وحزب الحركة القومية على 8 من أصل 81 مقاطعة. المفاجأة الأكبر في الانتخابات جاءت من إقليم هاتاي، التي تصدر فيها حزب العدالة والتنمية، على عكس ما هو متوقع، وحصل على 46.5%، بينما جاء حزب الشعب الجمهوري في المرتبة الثانية بنسبة 33.2% من 136037 منتخباً، وهو ما شكل له خسارة للمنطقة التي كان يحكمها. ولحدود الساعة الثانية، وبعد فرز 86% من الأصوات في اسطنبول، تصدر الحزب الحاكم النتائج بنسبة بلغت 49.5%، بينما حصل حزب الشعب الجمهوري على 40.5%، بحسب الموقع الرسمي للانتخابات. وفي أنقرة، حصل حزب العدالة والتنمية على 47%، مقابل 42% لحزب الشعب الجمهوري.
وكان حزب العدالة والتنمية، الذي فاز بجميع الانتخابات منذ توليه السلطة عام 2002، قد حصل على 38,8% من الأصوات في الانتخابات البلدية لعام 2009 ونحو 50% في الانتخابات التشريعية عام 2011. وإذا لم يحصل أي طارئ، فإن النتائج المسجلة شكلت انتصاراً كبيراً لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان في وجه الحملة التي أثيرت ضده في الفترة الأخيرة من قضايا الفساد والتسريبات الصوتية. حجم الفوز الذي ترتسم ملامحه سيكون المحدد للاستراتيجية التي سيتبعها مستقبلاً أردوغان الذي تنتهي ولايته الثالثة والأخيرة على رأس الحكومة في 2015.
الفوز الكبير سيدفع أردوغان إلى الترشح للانتخابات الرئاسية في آب المقبل والتي ستجرى للمرة الأولى بالاقتراع العام المباشر.
وكان ما يزيد على 52 مليون ناخب تركي مسجلين قد توجهوا إلى أقلام الاقتراع منذ ساعات الصباح الأولى، للإدلاء بأصواتهم في عملية شابتها مواجهات حادة أدت إلى مقتل ٨ أشخاص، بينهم 4 في إقليم هاتاي وجرح ٧١ شخصاً، على الرغم من الإجراءات الأمنية المشددة التي اتخذتها الحكومة قبيل عملية التصويت؛ ومنها منع حمل السلاح إلا لأفراد الشرطة والأمن، كما تم حظر بيع الكحول وإغلاق المطاعم التي تقوم بخدمة الكحول.
بدورها، الجاليات التركية في الخارج شاركت بكثافة في الانتخابات، إذ شهدت اللجان الانتخابية في الخارج إقبالاً غير مسبوق، وفق عدد من وسائل الإعلام التركية.
وكان أردوغان قد أكد خلال إدلائه بصوته في مدينة اسطنبول، برفقة عائلته، أن «الشعب التركي سيقول جميع الحقائق اليوم، وما سيقوله الشعب سيكون هو الحاسم، بالنسبة لي الكلمة الأخيرة هي للشعب». بدوره، طالب الرئيس التركي عبد الله غول، الذي أدلى بصوته في العاصمة أنقرة، الشعب التركي «بالإيمان بأنهم يعيشون في دولة قوية، وعلى الجميع ترك انتماءاتهم جانباً من أجل المصالح العليا للدولة والشعب».