طهران | تستذكر إيران، في هذه الأيام، السنوات الثماني من الحرب التي خاضتها مع النظام البعثي العراقي السابق، في ثمانينيات القرن الماضي، ذلك أن طهران تستعد لتشييع أكثر من 175 رفات لجنود إيرانيين سقطوا في عملية أطلق عليها اسم «كربلاء 4» وأعيدوا إلى الوطن، بعدما نجحت لجنة البحث عن مفقودي الحرب في العثور عليهم في منطقة أبوفلوس جنوب العراق، على مقربة من الحدود الإيرانية.


هذه العملية العسكرية، قبل 29 عاماً، شكلت أقسى ضربة للقوات الإيرانية في حربها مع العراق، سقط خلالها الآلاف نتيجة انكشاف أمر العملية من قبل القوات العراقية، التي حوّلت أرض المعركة إلى كرة من اللهب، ما أدى إلى فشل الهجوم الإيراني الذي كان يهدف إلى كسر خطوط الدفاع العراقية والتوغل باتجاه مدينة البصرة للضغط على النظام العراقي. العملية التي شارك فيها نحو 50 ألف جندي، كُشفت عبر مجموعة من الجواسيس المزروعين في صفوف القوات الإيرانية، إضافة إلى المساعدة الأميركية التي تمثّلت في تصوير تحركات الإيرانيين، عبر طائرات الـ«أواكس»، ونقل المعلومات إلى الجانب العراقي حيث لعبت منظمة «مجاهدي خلق» المعارضة دوراً بارزاً في تقديم تفاصيل عن وجود القوات الإيرانية على الأرض.
المهمة كانت تقضي بتوغل قوات خاصة عبر ألوية من الغواصين تجتاز نهر أروند جنوب إيران، لتفتح الطريق أمام القوات الخلفية للتقدم والسيطرة، إلا أن انكشاف العملية مسبقاً، أدى إلى تفخيخ أرض العمليات من قبل العراقيين ومن ثم دكّها بمختلف الأسلحة الثقيلة والمدفعية وتمشيطها بالطائرات المروحية، ملحقةً خسائر فادحة بالقوات المهاجمة، ما أدى إلى سقوط عدد كبير منهم أسرى.
القصة انتهت حينها، لكن تفاصيل هذه العملية عادت إلى الأذهان بعد نحو ثلاثة عقود. ورغم أن الكشف عن رفات الأسرى في مقابر جماعية جنوب العراق أمر عادي، ذلك أن إيران ما زالت حتى اليوم تبحث وتسترجع رفات جنودها بين الفينة والأخرى، إلا أن الصدمة كانت بالكشف عن أجساد بعض الغواصين الذين دفنوا أحياء ببذلات الغوص مكبلي الأيدي.


الثوابت كما هي، والمتغير الوحيد
هو اللغة
الدبلوماسية المرنة
وفي هذا الإطار، أشار الطبيب الشرعي إلى عدم وجود آثار لإطلاق النار أو لمقذوفات على الجثث، الأمر الذي يعني دفنهم أحياءً تحت التراب. هذا الخبر أشاع جواً من الغضب لدى الشارع الإيراني بأطيافه كافة، وزاد الشعور بالعداء اتجاه الولايات المتحدة التي تعتبر العامل الأساسي في كشف هذه العملية.
لكن على الجانب الآخر، أدت المصادفة إلى اكتشاف رفات الجنود الإيرانيين، مع اقتراب المهلة النهائية للاتفاق النووي نهاية الشهر الحالي، خصوصاً في الوقت الذي تطلب فيه واشنطن من طهران تفتيش منشآتها العسكرية، وهو ما يعتبره الإيرانيون إهانة لاستقلالهم وسيادتهم، خصوصاً بعد التعبئة النفسية التي حصلت بالكشف عن الرفات المدفونة حية على يد النظام العراقي السابق.
عندما كان الوفد النووي الإيراني في بغداد، في 23 أيار عام 2012، جلس كبير المفاوضين النوويين حينها، سعيد جليلي، في وجه ممثلي السداسية الدولية، قبل افتتاح الجلسة الرسمية، وفي خضم أقوى عاصفة رملية تضرب بلاد الرافدين منذ عقود، وقال لهم: «ما هو تاريخ اليوم؟»، فنظروا إليه بتعجب ليجيب أحدهم باستغراب: «اليوم هو الأربعاء الواقع فيه 23 من شهر أيار». أجابهم سعيد جليلي: «هو أيضاً الثالث من خرداد*»، ذكرى تحرير مدينة خرمشهر ــ تعرف بـ«المحمرة» ــ من يد النظام العراقي قبل ثلاثين عاماً. علامات التعجب والاستغراب بدت واضحة على الأطراف الغربية، ليكسر جليلي الصمت بالقول إن هذه المدينة احتلها صدام حسين في الحرب المفروضة، وقد احتلها بدبابات «ايوبارد» الألمانية و«تشيفتن» البريطانية إضافة إلى طائرات «ميراج» الفرنسية وبصواريخ «سكود» وطائرات «ميغ» الروسية، وعبر «القنابل الكيميائية» الألمانية والبريطانية وبمساعدة الـ«أواكس» الأميركي ودولارات خليجية.
أضاف: «لقد استطعنا في خضم هذا الهجوم الدولي علينا أن نصبر وننتصر». وأكمل سعيد جليلي كلامه قائلاً: «اليوم نجلس في أحد القصور لنتباحث معكم، فالحكم في العراق عاد لأهله، لقد حاربنا العالم ووقف ضدنا ولم نستسلم وعليكم أن لا تتوقعوا منّا ونحن في أوج قوتنا أن نستسلم لكم ولمطالبكم غير القانونية والمتسلطة».
كلام كبير المفاوضين النوويين السابق في مضمونه لم يتغيّر على صعيد السياسة الإيرانية، فجليلي أراد إيصال رسالة مفادها أن «من يحاوروننا اليوم هم من حاربونا بالأمس وانتصرنا عليهم». الثوابت بقيت كما هي، وكذلك النظرة الضمنية التي لا تثق بالغرب، أما المتغير الوحيد فهو اللغة الدبلوماسية المرنة، فيما الأهداف الإيرانية والخطوط الحمراء لا تزال قائمة.
قد تشي بعض التفاصيل بتراجع إيراني في مكان ما، ولكن العكس هو الصحيح، فقد حيّدت إيران نفسها عن التزام وقت محدّد لإنهاء المفاوضات. هذه الدولة التي فاوضت على مدى 12 عاماً، ستنتظر أشهراً إضافية، لأن المعطيات على الطاولة ليست كما تشتهي، ولأن الصبر الإيراني الطويل قادر على تحمل هذه الفترة الحساسة التي يحتاج فيها الجميع إلى الاتفاق الجيد.
*(خرداد: اسم الشهر الثالث في التقويم السنوي الايراني)