«بلغ حجم الرساميل الخارجة من دول الـ«بريكس» في السنوات العشر الماضية 3.5 تريليونات دولار، نصفها في السنوات الثلاث الماضية»، هذا ما أعلنه سكرتير مجلس الأمن الروسي، نيكولاي باتروشيف، في اجتماع لمسؤولين أمنيين من دول الـ«بريكس» (البرازيل والهند والصين وجنوب أفريقيا) عُقد في موسكو منذ أيام، مشيراً إلى «تزايد استخدام الغرب المؤسسات المالية الدولية كأداة ضغط».


واعتبر باتروشيف أن الضغوط المالية تأتي في سياق واحد مع «حرب المعلومات» (أو حرب الدعاية) ومساعي تعزيز الانقسامات الداخلية التي يقودها الغرب لزعزعة استقرار دول الـ«بريكس»، لافتاً إلى تصاعد الحرب الشاملة هذه في السنوات الـ 5 الأخيرة بهدف «ردع» الدول التي تسعى إلى الخروج عن الهيمنة الأميركية، ومنعها من النهوض.

النظام المالي
الموازي الناشئ
يقلص من دولرة الاقتصاد العالمي
وأبدى باتروشيف ثقته بأن «بنك التنمية الجديد» NDB، الذي تستعد الـ«بريكس» لإطلاقه في تموز المقبل، سيعزز الأمن الاقتصادي للدول تلك، وبالتالي استقرارها. وفيما يمثل إطلاق البنك المذكور، بعد إطلاق «البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية» AIIB، تحولاً استراتيجياً أكيداً على صعيد التحرر من الهيمنة الغربية على المؤسسات المالية العالمية، فهو أيضاً يهدد هيمنة الدولار على التجارة العالمية.
وكانت روسيا قد اقترحت إنشاء آلية لاستبدال العملات الوطنية في ما بين المصارف المركزية لدول الـ«بريكس»، وذلك «لتسهيل تمويل التجارة، مع تجاوز الدولار كلياً... وفي الوقت نفسه استبدال صندوق النقد الدولي، كأمر واقع، وذلك بالسماح للدول الأعضاء (بريكس) بتوجيه الموارد لتمويل الدول الأضعف»، بحسب «صوت روسيا».
وفيما لم يلحظ «بنك التنمية الجديد» هذه الآلية رسمياً في هيكليته بعد، أعلن محافظ المصرف المركزي الروسي في حزيران 2014 عن محادثات جارية مع الصين وسائر الشركاء في المنظمة للوصول إلى آلية تسمح بتحويل جزء من الاحتياطات النقدية لهذه الدول إلى النظام المالي الجديد الذي يجري بناؤه. غير أن عقبات تواجه البرازيل والهند وجنوب أفريقيا في هذا الإطار، ذلك أن الدول تلك مقيدة بالشروط التي تفرضها قروض صندوق النقد الدولي، والتي لا تسمح بالاستثمار والتجارة خارج نطاق هيمنة الدولار.
في السياق نفسه، أفادت «روسيا اليوم» منذ أيام بأن المصرف المركزي الروسي «اقترح إنشاء (آلية) موازية لشبكة SWIFT العالمية لتحويل البيانات المالية، والتي تعالج وتنقل مراسلات يومية بقيمة 6 تريليونات دولار يومياً»، موضحة أن «المركزي» الروسي يسعى بذلك إلى تقليص مخاطر عرقلة أو منع روسيا من استخدام القنوات المالية التي يهيمن عليها الغرب.
«ليس ثمة بديل من شبكة SWIFT في العالم حالياً؛ والموضوع الوحيد الذي قد يحظى باهتمام جميع دول البريكس هو مناقشة إمكان إنشاء نظام (مواز) بين هذه الدول، ليُستعمل كاحتياط»، قالت نائبة محافظ المصرف المركزي الروسي، أولغا سكوروبوغاتوفا، يوم الجمعة المنصرم. غير أن روسيا، التي تواجه حرباً اقتصادية تتمثل بعض تجلياتها بالحصار الاقتصادي «الأطلسي» والمضاربة على عملتها الوطنية، لم تنتظر تبلور تصور مشترك لدور الـ«بريكس» حول إقامة نظام مواز للتحويلات المالية، فبادرت في شباط الماضي إلى إنشاء شبكة تحويلات محلية تربط 91 مصرفاً روسياً بمصرفها المركزي. وفيما رأى مراقبون أن المبادرة الروسية تلك تشكل خطوة إضافية على درب تقليص أو العودة عن دولرة الاقتصاد العالمي de-dollarization، رأى آخرون أن الخطوة جاءت استجابة موضوعية وملحة للمخاوف من إبعاد روسيا عن نظام SWIFT، كـ«عقاب» لها على دعمها الانفصاليين في شرق أوكرانيا. وكان رئيس الوزراء الروسي، ديميتري ميدفيديف، قد حذر من «تداعيات لا يمكن حصرها» في حال قرر الغرب تجميد استخدام روسيا لـ SWIFT، وهي ثاني أكبر مستخدم للنظام؛ وبعد تهديد ميدفيديف بشهرين، أُعطيت روسيا مقعداً في مجلس إدارة SWIFT.
وكان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد اقترح في آذار الماضي مشروعاً لتوحيد العملة بين دول «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» الذي نشأ في كانون الثاني من العام الماضي، بعضوية أرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وروسيا، وبهدف تحقيق الاندماج الاقتصادي بين الدول تلك، بما يشمل حرية تنقل البشر، فضلاً عن البضائع والرساميل والخدمات. وكان رئيس الوزراء الروسي، ديميتري ميدفيديف، قد تحدث عن إمكان الوصول إلى توحيد السياسة النقدية لدول الحلف. ومن شأن خطوات كهذه أن تعزز اتجاه التقليص من الاعتماد على الدولار كمخزن للقيمة عالمياً، وكأداة رئيسية في المبادلات والاستثمارات الدولية، وكعملة مهيمنة على تسعير الخامات الأساسية كالنفط.