في المبدأ، لا يدفع التطوير والاستثمار في مجال التسلح إلى أي فخر من منظور مصلحة البشرية جمعاء، نظراً إلى أنه يطوّر أدوات الحروب والقتل والدمار، غير أنه شرّ مطلوب على ما يبدو لضمان توازن كوني عند هذه النقطة الحساسة من تاريخ البشرية.

لذا، إن دبابة «تي ـ 4» الحديثة التي عرضتها روسيا الأسبوع الماضي في احتفالات عيد النصر على النازية والتي تنقل الجينات العسكرية السوفياتية، تعني الكثير في عالم التسلح في هذه اللحظة التاريخية.
بحسب الخبير في «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، IISS»، جوزيف ديمبسي، فإن الجيش الروسي عانى طوال فترة ربع القرن الماضي من جراء انهيار الاتحاد السوفياتي، غير أنه بقي يتمتع بإرث كبير وغني من المعرفة الصناعية في هذا المجال.

لذا، فقد سرق الجيل الجديد من دبابات «تي ـ 4» الأضواء العالمية. إذ إن هذه الدبابة هي الأولى من نوعها التي تُطوّر من دون قمرة تحكم في برجها لتوجيه مدفعها، وعوضاً عن ذلك يُمكن التحكم بوجهة المدفع من خلال قمرة القيادة التي تكون في الجزء السفلي الأمامي.
يُشدّد ديمبسي في حديث لوكالة «بلومبيرغ»، على «ثورية» هذه الآلة، نظراً إلى خاصية الأتمتة في قمرة التحكم؛ تتمتع بمدفع من عيار 125 ملم أوتوماتيكي بأكثر منة 32 دورة، وهو قادرة على إطلاق الصواريخ التي يجري التحكم بها عن بعد، وليس فقط القذائف كما تفعل الدبابات العادية.

الثنائية العسكرية الكونية تعود بقوة يطعّمها صعود الصين المتعطشة للمعرفة وللخبرات

تتمتع أيضاً بنظام حماية عبارة عن حساسات شاملة تحيط الآلية وتجعلها تتحوط من أي هجوم، أكانت متوقفة أم تسير بسرعة 75 كلم في الساعة بوزنها الكلي البالغ 48 طناً.
ستكون هذه الدبابة أهمّ من أي آلية مقاتلة لدى حلف «شمال الأطلسي». حتى على مستوى السعر، هي أغلى من دبابة «M1Abrams» التي تُعد فخر الصناعة العسكرية الأميركية؛ إذ إن التقديرات حالياً تضع سعرها عند ثمانية ملايين دولار أغلى بنصف مليون دولار مقارنة بالدبابة الأميركية.
ويأتي الكشف عن هذا الابتكار الروسي فيما يتطور منذ فترة نقاش عالمي حول كيفية توزع نفوذ البلدان في قطاع صناعة الأسلحة وتصديرها. وقد انطلقت الشرارة من مقال في صحيفة «وول ستريت جورنال» عن بدء تراجع نفوذ الولايات المتّحدة على مستوى الصناعة العسكرية العالمية، إذ إن بلدان ناشئة كثيرة ـ مثل البرازيل، تركيا وكوريا الجنوبية ـ أضحت تنافسها وتوفر للعالم الأسلحة التقليدية نفسها بجزء بسيط من الفاتورة التي كان يفرضها العم سام.
إنها السيرورة في عالم التصنيع العسكري لا شك، غير أن هناك من يخالف هذا التصور، ويرى في أميركا سيدة السلاح الأولى من دون منازع، بالحد الأدنى خلال المدى المنظور.
يُشدّد ريتشارد بيتزينغر في مقال نشره أخيراً على الموقع الإلكتروني «The Diplomat» المختص بشؤون منطقة آسيا/ المحيط الهادئ، على أنه خلال السنوات الـ15 الماضية حافظت الولايات المتّحدة على حصتها من سوق السلاح العالمية، وهي الثلث تقريباً وقد ارتفعت العام الماضي إلى 36%. أما خلال فترة 2000 ـ 2014، فقد صدّرت الولايات المتحدة أسلحة بقيمة 110 مليارات دولار، تاركة المرتبة الثانية للروس، فيما البلدان الأوروبية الغربية الأربعة الأكبر عسكرياً ـ فرنسا، ألمانيا، إيطاليا والمملكة المتّحدة ـ حظيت بخمس هذه السوق.
أما الصين التي عادةً ما كانت حصتها لا تتخطّى 5% من السوق، فقد سجلت تقدماً إلى المركز الثالث.
«حتى الآن، لا وجود لمنافسة من قبل اللاعبين الجدد غير التقليديين على مستوى الأسلحة الجيدة والرخيصة، وقد يطول الأمر كثيراً» يُحاجج المقال المختص.
غير أن النقاش حول الدينامية في سوق الأسلحة العالمية ليس في مدى قدرة البلدان الجديدة في إحداث التأثير، بل في قدرة العمالقة التقليديين على المنافسة.
القدرات الروسية العسكرية لا شكوك حولها؛ التكنولوجيا التي تجهز بها دبابتها الجديدة تختصر الكثير. كذلك الأمر بالنسبة إلى الولايات المتّحدة. فلننسَ تفوقها النوعي والكمي، هناك تأثيرها السياسي الذي تستغله لتحفيز نشاط صناعاتها العسكرية واقتصادها عموماً. بحسب تقرير للكونغرس صدر عام 2012، فإن تفوق الولايات المتّحدة في مجال مبيعات الأسلحة العالمية يبقى قائماً مدعوماً بالطلب من الحلفاء في الشرق الأوسط «القلقين من الطموحات الإيرانية الإقليمية».
تبقى إذاً الصناعات العسكرية الصينية التي تقع في المنتصف بين التقدّم التكنولوجي الأميركي وبين الإرث السوفياتي الذي يدخل مرحلة الابتكار والتطوير حالياً. وفقاً لبيانات «معهد أبحاث السلام» الذي يتخذ من استوكهولم مقراً له، فإن صادرات الصين من الأسلحة سجّلت نمواً بنسبة 143% خلال السنوات الخمس الماضية. وفي هذه الفترة وقّعت بكين اتفاقيات تصدير أسلحة، أبرزها تزويد باكستان بالغواصات، الأرجنتين بالطرادات، فنزويلا بالطائرات والجزائر بالسفن الحربية.
لكن على الرغم من أن العملاق الشرقي يتمتع حالياً بأكبر اقتصاد في العالم ويزداد نفوذه بالتوازي مع حيثيته الإقليمية والكونية، ويوقّع اتفاقات تصدير الأسلحة للبلدان الأقل تطوراً، إلا أنه يبقى يطلب المعدات الأكثر تعقيداً من المصنّعين التقليديين. مثلاً، بعد تكهنات استمرت عاماً، يبدو أن الجانب الروسي سيعمد إلى تطوير الجيل الخامس من غواصات «كالينا» لتجهيز بحرية جيش التحرير الشعبي الصيني.
ووفقاً لما تنقله التقارير الإعلامية عن المؤسسة العسكرية الصينية، فإن الأسلحة التي يشتريها هذا البلد من روسيا هي الأكثر تطوراً التي يعتمد عليها الجيش الروسي؛ من الطائرات المقاتلة من طراز «سو ـ 35» التي تُعد أحدث ابتكارات سلاح الجو الروسي، ومن المتوقع أن تبدأ الصين بتسلمها في عام 2017، وصولاً إلى الأنظمة الصاروخية من طراز «إس ـ 400».
إذاً، هي الثنائية العسكرية الكونية تعود بقوة يطعّمها صعود الصين المتعطشة للمعرفة وللخبرات، وربما البلدان الناشئة الأخرى التي تبحث عن موطئ قدم كوني في كافة القطاعات.
تبقى الخشية الكبرى من أن يؤدي التنافس على الحصص في سوق السلاح، إلى استخدام نِتاج هذا القطاع لحسم القيادة فيه.