أدى نشر صحيفة «جمهورييت» التركية، صوراً وتسجيل فيديو لشحنات الأسلحة المرسلة من تركيا الى المجموعات المسلحة في سوريا مطلع عام 2014 إلى صفعة سياسية لحكومة أحمد داود أوغلو، التي لطالما نفت دعمها المسلّح لتلك الفصائل.

ووصف محللون أتراك توقيت نشر الصحيفة فضيحة كهذه قبل نحو أسبوع من الانتخابات البرلمانية التركية بـ«الفضيحة القنبلة»، لما قد تحمله من تأثير سلبي على صدقية حزب «العدالة والتنمية» الحاكم لدى الرأي العام في تركيا، وذلك بعدما دأب مسؤولو الحزب، بدءاً من رئيسه ورئيس الوزراء في حينه، ورئيس الجمهورية حالياً، رجب طيب اردوغان، وصولاً إلى والي هاتاي (لواء اسكندرون المحتل)، على تكرار رواية «قيام تلك الشاحنات بنقل مساعدات انسانية لتركمان سوريا»، في كل مناسبة.

وتعود الحادثة إلى يوم الأحد 19 كانون الثاني عام 2014، عندما أقدمت قوة من الدرك على اعتراض 3 شاحنات كانت ترافقها الاستخبارات التركية (منظمة الاستخبارات الوطنية MIT)، بعد اجتيازها مدينة أضنة آتيةً من العاصمة أنقرة، حيث جرى توقيف عناصر الاستخبارات ونقلهم إلى التحقيق، قبل تدخل حكومة أردوغان آنذاك لإطلاق سراحهم، ثم متابعة الشاحنات طريقها إلى الداخل السوري.
وفتحت الحكومة التركية حينها تحقيقاً، أدى إلى توقيف نحو 50 شخصاً من الدرك وعناصر الجيش والقضاة، بالتزامن مع محاولات للتعتيم على الموضوع إعلامياً.
وجرت الإشارة إلى القضية يومئذ على أنها «ترجمة لصراع الإسلاميين في تركيا العلمانية»، وتحديداً بين جناحي رجب طيب أردوغان متمثلاً في الحادثة بالاستخبارات، وبين جناح الداعية فتح الله غولن، متمثلاً بالدرك.
وشن حزب أردوغان هجوماً شرساً عبر وسائل الإعلام على النائب العام وآمر الدرك والعناصر الذين اعترضوا الشاحنات، مستندين إلى الرواية المتفق عليها، حيث أكد نائب أردوغان في حينه، بشير أتالاي، أن «الشاحنات كانت تقل مواد اغاثية إنسانية للمواطنين التركمان المحاصرين من قبل الحكومة السورية في شمال اللاذقية»، معللاً وجود عناصر من الاستخبارات التركية برفقة الشاحنات «بالإجراء الوقائي منعاً لوقوع مثل هذه الحوادث»، فيما وصف وزير الداخلية أفكان إلا حادثة إيقاف الشاحنات «بالإهانة الموجهة للحكومة التركية، مقابل محاولاتها إغاثة منكوبي الحرب».
أما الكذبة الكبرى في هذه القضية، فكانت من نصيب وزير الخارجية آنذاك ورئيس الوزراء الحالي أحمد داود أوغلو حين شن من مؤتمر السفراء في أضنة، هجوماً شرساً على «الخونة والمتآمرين على الوطن»، مشدداً على أن «الشاحنات كانت تنقل مساعدات انسانية».
ودافع «المتهمون» الذين أوقفوا لاحقاً عن «فعلتهم» بالقول إن «اتصالاً هاتفياً ورد إلى الدرك أخبرهم فيه المتكلم المجهول عن قيام شاحنات عائدة لمنظمة انسانية بنقل ذخائر ومواد متفجرة»، وأن العناصر المرافقة للشاحنة، والذين تم التأكد لاحقاً من كونهم رجال استخبارات أتراكاً «كانوا ذوي لحى طويلة ويرتدون الزيّ الإسلامي».
إلى أن جاءت مقالة الصحافي جان دوندار في صحيفة «جمهورييت»، التي أثبتت بالدليل القاطع (بواسطة صور وتسجيل فيديو) أن الشاحنات التي كانت تقل صناديق يشبه شكلها كرتونات أغذية وأدوية، «كانت تخبئ تحتها قذائف وذخائر ومواد متفجرة». وقالت الصحيفة التركية إنها حصلت على المقاطع من ملف الدعوة القضائي، وكشفت عن أن الشاحنات الثلاث كانت تنقل 100 قذيفة هاون و80000 علبة ذخيرة لأسلحة خفيفة وثقيلة ومئات قاذفات القنابل، روسية الصنع، تم توريدها من دول كانت ضمن الاتحاد السوفياتي السابق.
وقال الصحافي دوندار عبر موقع «فايسبوك»، إن نشْر المقالة «جاء رداً على الظلم الذي تعرض له عناصر الدرك والجيش والقضاة ممن قاموا بتوقيف شاحنات كانت تقل مواد خطرة على أمن المدن التي مرت بها من دون علم السلطات الإدارية»، مضيفاً إن «الأهم هو أنها (الشاحنات) مرت من دون علم الشعب التركي بالأمر، وهو ما بقي تحت تأثير نفي الحكومة إرسالها السلاح إلى المتشددين في سوريا طيلة مدة الصراع».
وبعد أقل من 24 ساعة من النشر، أصدرت المحكمة التركية قراراً ألزمت فيه الصحيفة بسحب مقطع الفيديو، وقامت بفتح تحقيق بحق الصحافي التركي دوندار بتهمة «نشر معلومات كان من المفترض أن تبقى سرية»، بحسب ما أفاد دوندار عبر «فايسبوك».