يبدو أن الانتخابات العامة التي ستشهدها تركيا في 7 حزيران، لن تكون عادية، إذ من المتوقع أن ترتفع حدة الصراعات السياسية بين الأحزاب الواقفة بوجه الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي سيعمل بكل ما أوتي من قوة لتغيير النظام السياسي. وهو، إذ يتكئ على شعبية ذات توجه إسلامي، يحاول استمالة القوميين الأتراك عبر الإيحاء لهم بعدم التراجع مقابل حزب «العمال الكردستاني»، والتأكيد على شروطه بعدما وصله استياء القوميين من اتفاقات محتملة مع الحزب الكردي.

لن يكون أردوغان «رئيس كل الأتراك»، ولن يكون حيادياً كما ينادي الدستور التركي. لقد جهز بنفسه لائحة حزب «العدالة والتنمية»، في وقتٍ لا يمانع فيه رئيس وزرائه أحمد داوود أوغلو الصلاحيات المحدودة التي سيتمتع بها تحت سلطة الرئيس المطلقة بعد تعديل نظام الحكم.

يتوقع داوود أوغلو حصول «العدالة والتنمية» على نسبة تراوح بين الـ55 و60 %. هو لا يزال متأثراً بفوز أردوغان في انتخابات الرئاسة، حيث حصل على نسبة 52%، وهي أعلى نسبة يحصل عليها منذ نجاح الحزب في الانتخابات البرلمانية عام 2011 ، حين فاز بـ50% حاصداً 326 مقعداً برلمانياً من أصل550، لكن هذه النسبة لم تمثل معدل الثلثين الضروري لتغيير الدستور ولا أدت إلى التوصل لطرح الموضوع على الاستفتاء، هو بحاجة إذاً إلى 330 مقعدا لتحقيق غايته.
غير أن استطلاعات الرأي التي أجرتها شركات قريبة من «العدالة والتنمية» لا تشي بتحقق ذلك بل تؤكد إمكانية حصول الحزب على 45 أو 46 % من الأصوات، الأمر الذي سيزيد من إمكانية عدم الفوز. ربما سيحاول الحزب استنفار كامل كوادره في وجه حزب «الشعب الجهموري»، مثلما حصل حين هزئ داوود أوغلو من «تواضع طموحاته» وسعيه للحصول على 35% من الأصوات. وعلى إيقاع التنافس الانتخابي أيضاً، ارتفع صوت داوود اوغلو أثناء إطلاقه برنامج حزب «العدالة والتنمية» الانتخابي وإعلانه لائحة المرشحين، ضد البابا فرنسيس متهماً إياه بالانضمام إلى «مؤامرة جبهة الشيطان» التي تستهدف «العدالة والتنمية»، في ردٍّ على وصف البابا ما جرى عام 1915 ضد الأرمن «بأولى المذابح التي حصلت في القرن العشرين». ورأى داوود أوغلو أن ما يجري حالياً «هو نشوء محور ضد الحزب”. وقال «لن نسمح للناس بإهانة أمة عبر الحكم على أحداث تاريخية»، مشيراً إلى الاستعداد لمناقشة هذه المسألة التاريخية.
يتوجه الخطاب الانتخابي إلى جمهور «العدالة والتنمية» المؤمن بأن العثمانيين لم يرتكبوا مذبحة بحق الأرمن، فيما «كان الأرمن يقفون الى جانب اعداء الاتراك» خلال الحرب العالمية الأولى، وكانت المجازر مجرد معركة. في هذا السياق، استخدمت تصريحات بابا الفاتيكان من أجل التعبئة الانتخابية، التي واكبها أردوغان حين حذر البابا فرنسيس من إعادة «الخطأ» نفسه، في نعت ما حصل بـ»المجزرة»، مؤكداً في معرض ردّه على أنه لن يأبه لموقف الاتحاد الأوروبي مهما كان.
ترتفع حدة اللهجة بارتفاع وتيرة الأحداث في تركيا، ومن المتوقع أن تحتدم في ظلّ الاستعداد للانتخابات، بعد ما جرى في مقاطعة اغري الفقيرة، التي تقع على حدود أرمينيا وأذربيجان وإيران، والتي تتمثل بأربعة نواب في البرلمان، حيث شهدت المنطقة اشتباكاً بين القوى الأمنية ومقاتلين من حزب «العمال الكردستاني» في قرية ديادين التي أقام فيها حزب «الشعوب الديمقراطي» مهرجان الربيع، مستغلاً أجواء محادثات السلام والتفاهم بين الحكومة و»العمال الكردستاني». هذه الحادثة جاءت بعد تصريح القائد الكردي جميل باييك لإحدى القنوات الألمانية حول رغبة «العمال الكردستاني» بالصلح، لكن احتكاكاً امنياً أدى إلى مقتل أربعة شبان من «العمال الكردستاني» وجرح اربعة عسكريين. اثارت الحادثة عاصفة من التصريحات، حيث اتهم زعيم حزب «الشعوب الديموقراطي»، صلاح ديمرتاش، الحكومة بتدبير السيناريو من أجل عزل الحزب واضعافه لكي لا يحصل على معدل الـ10% التي ستمكنه من دخول البرلمان، متهماً الاجهزة الحكومية بالتأخر عن نجدة الشرطة من اجل تسعير الخلافات. أما داوود أوغلو فرد على ذلك، بالقول إن حزب «الشعوب الديمقراطي»، يسعى إلى منع المواطنين الأكراد من التصويت لسواه.
ويتخوف الأتراك من ازدياد حدة الأحداث، وخصوصاً بعد مقتل القاضي، سليم كيراز، في اسطنبول، بالتزامن مع التضييق على الصحافة ووسائل الاتصال الاجتماعي. التساؤلات كثيرة حول ما اذا كان «العدالة والتنمية» سيسعى الى افتعال ازمات من اجل شد عصب جمهوره قبيل الانتخابات، وخصوصاً بعدما حذر الرئيس السابق عبد الله غول في تصريحٍ له إلى صحيفة «فايننشال تايمز» الأميركية عن امكانية فقدان الحزب الحاكم مقاعد كان قد كسبها في انتخابات برلمان 2011 بسبب طرحه المشروع الرئاسي. وأكد غول أن النظام البرلماني هو ما يناسب تركيا، وأن الخيار هو تطوير النظام البرلماني.