تشهد الساحة السياسية البريطانية درجة غير مسبوقة من التفكك، تجعل مجريات الانتخابات المرتقبة ونتائجها مفتوحة على جميع الاحتمالات. على هذه الخلفية، قدّم رئيس الحكومة المحافظ ديفيد كاميرون يوم أمس استقالة حكومته الى الملكة، فأُعلن حل البرلمان والانطلاقة الرسمية لحملة الانتخابات التشريعية البريطانية التي ستشهد طوال أسابيع خمسة منافسة شديدة بين حزبَي المحافظين والعماليين.

ويترقب كثيرون مناظرة تلفزيونية في الثاني من نيسان المقبل، من شأنها أن تظهّر تشرذم الساحة السياسية البريطانية، إذ يشارك فيها زعماء سبعة تشكيلات محافظة وعمالية وليبرالية ديموقراطية، فضلاً عن حزب الاستقلال «يوكيب» الشعبوي المعادي لأوروبا وحزب الخضر والقوميين الاسكتلنديين وممثلي مقاطعة ويلز. والمرجح ان تطغى موضوعات أزمة نظام الصحة العام ومشاكل الاقتصاد والهجرة والاتحاد الأوروبي على المناظرة التي يعول عليها غالبية زعماء الأحزاب في مساعيهم لاستقطاب الناخبين.

وكمثال على تعقيد المشهد وصعوبة التكهن بالمسارات السياسية، أظهر استطلاع للرأي أعلنت نتائجه هيئة الإذاعة والتفلزيون البريطانية في أواخر الشهر الحالي حصول كل من حزبَي المحافظين والعماليين على 34% من «نيات التصويت»، في تعادل تام لم يتغير منذ ستة اشهر! وما يزيد من صعوبة التكهنات هو طبيعة نظام الانتخاب الأغلبي والقائم على دائرة وحيدة ودورة واحدة، والتي تؤدي الى فروقات كبيرة بين عدد الاصوات وكيفية ترجمتها الى مقاعد في مجلس العموم. وتعليقاً على المشهد الانتخابي العام، قال ستيفن فيلدنغ، استاذ التاريخ السياسي في جامعة نوتينغهام: «يخال المرء نفسه في الكازينو»!
وفي حال عدم خروج العملية الانتخابية بفائز، تكون الاولوية لتشكيل الحكومة المنتهية ولايتها حكومة قابلة للاستمرار؛ ويمكن ان يقرر المحافظون عندها الاستمرار في التحالف «غير المسبوق» الذي اضطروا إلى تشكيله عام 2010 مع الليبراليين الديموقراطيين الذين يمكن ان يقرروا بدورهم التغيير ومشاركة العماليين في الحكومة!
وتبقى فرضية تشكيل حكومة «اقليات» هشة التركيب وتقوم على اساس تحالفات ظرفية تبقى رهن مفاوضات صعبة عند كل عملية تصويت في البرلمان. وفي مثل هذه الحالة، فإن الاحزاب الثانوية ستستغل الفرصة لتحصيل مطالبها: فالليبراليون الديموقراطيون يريدون الحد من اجراءات التقشف ومن المساعي نحو الخروج من الاتحاد الاوروبي، بينما الاولوية بالنسبة الى نيكولا ستورجن، زعيم القوميين الاسكتلنديين، هي «طرد كاميرون» وانتزاع تدابير اجتماعية والمضي قدماً نحو استقلال اسكتلندا. اما حزب «يوكيب» فيأمل الاحتفاظ بما يكفي من التاثير للاستمرار في خطابه المعادي للهجرة والمعارض للاتحاد الأوروبي.
ثمة مراقبون يرون أن أحد الأمور القليلة الأكيدة هي ان منصب رئيس الوزراء سيكون بعد الانتخابات في 7 ايار المقبل لديفيد كاميرون لولاية ثانية او إد ميليباند، زعيم المعارضة العمالية. وفيما يرى هؤلاء أنه لا يعود الفضل لكاميرون إلا جزئياً في تحقيق نسبة النمو المثالية في السياق الأوروبي العام، والبالغة 2,5%، وفي كون نسبة البطالة تحت عتبة 6%، يعول ميليباند على الاضرار الجانبية للتقشف وعلى تراجع الطبقات الوسطى رغم تحسن الاقتصاد وازدياد الفوارق ليدعو لـ«اعادة توزيع الثروات» في المملكة التي تشهد انقسامات أكثر من اي وقت مضى.

(أ ف ب)