في «عملية السلام الداخلي» بين حزب «العمال الكردستاني» وأنقرة، يمكن القول إن للحزب ثلاثة أجنحة تتوزع بينها المهمات والأدوار لتحقيق التفاهم التاريخي المنتظر مع الحكومة التركية. هذه الأجنحة تتمثل في الجناح العسكري في جبال قنديل والجناح السياسي مع حزب «الشعوب الديموقراطي»، وبزعيم الحزب عبدالله أوجلان الذي وجه من سجنه في جزيرة إيمرلي رسالة يدعو فيها مسلحي «الكردستاني» إلى حضور مؤتمر نزع السلاح في الربيع.

وكان أوجلان قد وجه دعوةً إلى مناصريه عام 2013 لوقف إطلاق النار، وما زال هذا الاتفاق سارياً، على الرغم من حالة عدم الثقة بالحكومة والعنف المتقطع. غير أن رسالة أوجلان تلقى دوماً آذاناً صاغية، لأنه يتمتع بالنفوذ بين قادة الحزب والمقاتلين.

لقد دعا الحزب هذه المرة إلى مؤتمر استثنائي في الربيع، لاتخاذ قرار تاريخي واستراتيجي بنزع الأسلحة، مؤكداً أنه ومحاوريه في الحكومة «أقرب إلى إرساء السلام من أي وقتٍ مضى»، وأنه يسعى إلى صدور قرارٍ تاريخي للتوصل إلى حلٍّ ديمقراطي.
الكرة الآن في ملعب مسلّحي الحزب في جبال قنديل شمال العراق، التي تضم صقور الحزب من أمثال جميل باييك ومراد قره يلان، اللذين عبّرا من قبل عن رفضهما إلقاء السلاح. تبدو الأمور آيلة إلى التطبيق، إذ صرّح النائب سري ثريا أوندار بعد لقائه الأسبوع الماضي مع أوجلان أن الأخير يعكف على صوغ بيان خطّي تاريخي سيعلن في عيد النوروز، أي اليوم، وأن هذا الأسبوع سيشهد الاتفاق على تشكيل سكرتارية للعمل مع أوجلان. ونُقل عدد من السجناء من عناصر «الكردستاني» إلى سجن أوجلان للعمل معه، كذلك سُمِّيت عشر شخصيات كردية وتركية شكلت ما يسمى «لجنة المتابعة» التي ستعمل لمراقبة تنفيذ كل طرف ما تعهّد به، خصوصاً النقاط العشر التي طرحها أوجلان لوضع ضمانات دستورية لـ«الهوية والمواطَنَة»، مقابل ترك عناصر «الكردستاني» العمل المسلح، وهو ما يسعى إليه أيضاً رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان ضمن مسعاه إلى تحقيق المزيد من المكاسب الانتخابية.
غير أن إلقاء السلاح لا يبدو أنه سيحدث سريعاً. فأوجلان ربط إلقاء السلاح بـ«مؤتمر استثنائي في الربيع»، أي قبل الانتخابات في حزيران المقبل، موجهاً مؤيديه إلى الدخول في الانتخابات تحت راية حزب «الشعوب الديمقراطي»، بعدما كانت القوى السياسية الموالية لـ«العمال الكردستاني» تدخل المجلس تحت خانة «المستقلين». حين أطلق أوجلان نداءه، كان يتوخى الضغط على حكومة «العدالة والتنمية» لتوفير كل الظروف اللازمة له من أجل دخول المجلس كحزب موحد يتجاوز حاجز الـ١٠% من المقاعد. وهو يقول بطريقة غير مباشرة إن عدم وصوله إلى المجلس يعني التراجع عن إلقاء السلاح، ما يُعد كابوساً بالنسبة إلى أردوغان.
في هذا السياق، سحبت الحكومة نصف مواد حزمة قوانين الأمن الداخلي بعد احتجاج المعارضة واشتراط «الأكراد» سحبه لاستكمال التفاوض مع أوجلان، ما جعل الحكومة تتعرّض لهجوم القوميين، قبل أن يخرج أردوغان ليخفف قلق الشارع «القومي»، مدعياً أنه «لا مسألة كردية» في تركيا، وأن القضية هي قضية ديمقراطية وحرية تخص كل المواطنين، وليس لها طابع قومي أو عرقي.
بعد هذه التصريحات، خرج حزبا «الشعب الجمهوري» و«الشعوب الديمقراطي» المعارضين، متسائلين أنه ما دام لا يوجد في تركيا قضية كردية، «لماذا تحاور أنقرة أوجلان؟». وفي إشارة إلى الجولات المكوكية بين سجن ايميرلي وبين مقر الكردستاني في جبال قنديل التي يؤديها «الشعوب الديمقراطي» في المحادثات الجارية ضمن «عملية السلام»، أوضح زعيم الحزب صلاح الدين ديمرتاش، أن حزبه لا يقايض «العدالة والتنمية» على التصويت في الانتخابات المقبلة للتوصل إلى التعديل الدستوري الذي يحوّل نظام الحكم إلى رئاسي، مقابل تخطي الحزب الكردي سقف الـ10%. وأكد أن الحزب لا يمكنه تجاهل أخطاء حزب «العدالة والتنمية» ومحاولات تفرد أردوغان بالسلطة، خصوصاً أن الأخير لا يرى دوراً مقبلاً للبرلمان، بل يرى أن «الدولة يحب أن تدار كشركة»، وفقاً لتصريحاته الأخيرة. إذ يقول إن ارتباط القرارات التنفيذية بالبرلمان من شأنه تأخير الدولة.
كذلك، يخاف حزب «الشعوب الديمقراطي» خسارة أصوات اليساريين وأصوات حزب «الشعب الجمهوري» الذين صرحوا برفضهم للدستور الرئاسي. هذه الأصوات التي أعطت الحزب 9،5% في الانتخابات الرئاسية الماضية، وهو يخشى خسارتها في إطار معادلة الاتفاق المرتقب بين الحكومة و«العمال الكردستاني».