بين الحديث عن سير تركيا بخطى متسارعة نحو أزمة اقتصادية، وطمأنات أنقرة إلى أن الهبوط الحاد لسعر الليرة مقابل الدولار، أمرٌ مؤقت، تقف تركيا أمام استحقاقٍ «مخيف» ليس غريباً عنها. فقد حفلت السنوات العشرون الماضية بهزّات اقتصادية، لم تدفع البلاد نحو الهاوية بصورةٍ كلية، غير أنها ما انفكت تذكّر العالم بأن الاقتصاد التركي «سريع العطب» لأسباب مختلفة، أولها هشاشة الركائز القائم عليها.


«انهيار اقتصاد الفقاعة التركي»، «نهاية أحلام تركيا في أن تصبح قوة عالمية»، «نهاية أحلام أردوغان السياسية»، هي غيض من فيض العناوين والعبارات التي وردت في مقاربات صحف غربية للحدث الاقتصادي التركي، الأسبوع الماضي. فيما قالت صحفٌ محلية قريبة من الحكومة إن الإعلام الغربي يسعى إلى التهويل على تركيا، متعمداً المبالغة. غير أن رحلة رئيس الحكومة، أحمد داوود أوغلو، إلى الولايات المتحدة مع الفريق الاقتصادي في الحكومة، نهاية الأسبوع الماضي، تشي بأن «حالة طوارئ» قد أعلنت في أنقرة. وقد شهدت الليرة التركية هبوطاً حاداً وسريعاً مقابل الدولار أخيراً، من 2.20 السنة الماضية، إلى 2.62 ليرة يوم الخميس الماضي. ومثّل هبوطها (20%) نسبة مرتفعة جداً، ما يجعل البلاد قريبة من منطقة الخطر.

يرى خبراء أن تهوّر أردوغان هو خلف الهبوط الحاد لليرة التركية
السرعة التي انتقلت فيها الليرة إلى مستوى متدنٍّ «تاريخي»، ناجمة وفق خبراء، عن نقص كبير في الثقة والصدقية، ما أدى إلى ارتفاع أصوات في الأيام الماضية، تدعو إلى إعلان سياسي يطمئن الأسواق والمستثمرين، في وقتٍ تعتمد فيه تركيا على تمويل أجنبي بقيمة تتجاوز 200 مليار في السنة، منها 5.5 مليارات من الاستثمارات المباشرة السنة الماضية فقط.

«تهوّر» أردوغان سبب رئيسي

كما في السياسة، كذلك في الاقتصاد. يرى خبراء أن تهوّر الرئيس رجب طيب أردوغان الذي يسم معظم تصريحاته، هو خلف الهبوط الحاد الذي شهدته الليرة التركية. بعد سبعة أيام من انخفاض متواصل لسعر صرف الليرة مقابل الدولار، اتهم أردوغان محافظ المصرف المركزي، إردم باتشي، بـ«الخيانة». يعتقد الرئيس أن الأسعار المرتفعة للفوائد هي المشكلة الأساسية، وأن هناك «جماعة ضغط» تصرّ على الفوائد المرتفعة. وبعدما خفض المصرف المركزي الفائدة بنسبة 7.5%، رأى أردوغان أن ذلك غير كافٍ، ما دفعه إلى القول إن «باتشي باع وطنه، وخضع لتأثيراتٍ غربية»، الأمر الذي أدى، بحسب خبراء، إلى ذلك الهبوط القياسي. صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، لحظت أن هجوم أردوغان على باتشي رفع مستوى الأزمة، فقالت إنه «إذا كان الكلام رخيصاً كما يقال، ففي حالة تركيا قد يكون الكلام باهظ الثمن للبلاد وللمستثمرين». وإلى جانب كلام أردوغان، كان وزير الاقتصاد، نهاد زيبكشي، قد صرّح بأن أداء المصرف المركزي كان «جباناً»، لعدم خفضه أسعار الفوائد بالقدر اللازم وسط موجة الخفض العالمية، بموازاة انخفاض أسعار النفط. الهجوم الناري على باتشي، أثر سلباً، وفق خبراء، على صدقية تركيا بين المستثمرين الأجانب، الذين يتخوفون أصلاً من الواقع الاقتصادي في تركيا في ظلّ العجز المتواصل في الحساب الجاري.

النظام الرئاسي يزيد المخاوف

تتعزّز التوقعات باستمرار انخفاض سعر صرف الليرة، لأن الإنتاجية فشلت في اللحاق بحجم التضخم وبنمو الأجور، كما يقول خبراء اقتصاديون. وفي ظل تطورات كان من شأنها أن تمثل مناخاً إيجابياً للاقتصاد التركي كانخفاض أسعار النفط، سارت الأحداث بعكس المتوقع. وفيما من المقرر عقد اجتماع موسع «لتحديد سعر الفائدة» في 17 آذار الجاري، لا يبدو أن الليرة التركية ستتعافى قريباً. بل على العكس من ذلك، يقول البعض إن المستقبل السياسي للبلاد يخيف المستثمرين الأجانب، في ظلّ اتجاه تركيا إلى تغيير نظام الحكم بعد الانتخابات البرلمانية في حزيران المقبل، حيث ينوي أردوغان في حال فوز حزب «العدالة والتنمية» الحاكم بغالبية المقاعد البرلمانية، تغيير الدستور والانتهاء من النظام الحالي، لتعزيز صلاحيات موقعه. ضبابية شكل النظام المرتقب وهيكليته، تثير تساؤلاتٍ جدّية عن مستقبل المؤسسة المالية في البلاد، وإذا ما كان المصرف المركزي سيفقد استقلاليته مع زيادة تفرّد أردوغان بالسلطة، والوصول إلى حكم الشخص الواحد بصورةٍ تامة.
(الأخبار)




للمرة الثالثة خلال أسبوع تقريباً، خفص البنك المركزي التركي، يوم أمس، أسعار الفائدة على الودائع لأجل أسبوع بالعملة الأجنبية، وهو ما أدى إلى صعود طفيف لليرة (2.6025)
مقابل الدولار في آخر التعاملات يوم الجمعة الماضي، بعد أسبوع من الانخفاضات الحادة. وأعلن المصرف المركزي أيضاً زيادة كمية العملة الأجنبية المعروضة للبيع في عطائه اليومي وقلص سيولة الليرة بنحو طفيف.
(رويترز)