تحاول السعودية «لمّ شمل» الدول الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة، فاستقبلت الرياض الأسبوع الماضي الرئيسين التركي والمصري، وإن على حدة، في خطوةٍ تهدف إلى إزالة التوتر بين الطرفين، برغم الخلافات التي تسود العلاقات المصرية ــ التركية. وغنيٌّ عن القول أنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يعتبر نظيره المصري عبد الفتاح السيسي «انقلابياً»، فيما تعتبر القاهرة أن أردوغان يتدخل في شوؤنها.

من جهتها، تسعى السعودية إلى وضع حدّ لتدهور العلاقات بين الطرفين وإيجاد تسويةٍ تعيد لـ«الإخوان المسلمين» حيثيةً ما في القاهرة.

هذه الخطوة تأتي نتيجةً لنصيحة من واشنطن، من أجل إقامة توازن سياسي في ظلّ انتشار النفوذ الإيراني في المنطقة ونجاح طهران في بسط نفوذها في سوريا ولبنان والعراق واليمن، إلى حد تطويق السعودية. تحاول الولايات المتحدة إذاً، الجمع بين السعودية وتركيا ومصر وقطر والكويت، حيث يشكل الانتماء المذهبي قاسماً مشتركاً بين هذه الدول، لكن تفرّقهم المصالح والتنافس على القيادة، الأمر الذي يمكنه أن يؤدي إلى تصدّعات جديدة في ما بينهم بدلاً من الوحدة.
يرى أردوغان أنه لا مشاكل لتركيا مع الشعب المصري، لكنه ينتقد السيسي علناً، بسبب إطاحته الرئيس «الإخواني» محمد مرسي عام 2013. ويلوم الرئيس التركي السعودية وبعض دول الخليج الأخرى بسبب وضعها «الإخوان» على «لائحة الإرهاب»، لكنه يرى أنه لا يمكن إهمال العلاقة مع مصر بسبب أهمية موقعها الإقليمي، ويبدو أنه لا يمانع إقامة تحالف مصري ــ سعودي ــ تركي. يعلم الرئيس التركي أن السعودية تريد الاعتماد على دولة قوية عسكرياً، تمثل سداً منيعاً في وجه إيران، ولا مانع لديها من دعمها لتصبح «دولة سنية نووية» في المنطقة. كذلك، لن يكون سهلاً تخطي الخلاف مع مصر من دون إعادة العلاقة بين «الإخوان» والسعودية أولاً، ثم حث مصر على إعادة دمج «الإخوان» في الحياة السياسية.
في الوقت عينه، يركّز أردوغان على تمتين العلاقة بين تركيا والسعودية والنهوض بها إلى مستوى أفضل، معتبراً أن قضية مصر لا ينبغي أن تلقي بظلالها على العلاقة بين البلدين.
ويأتي التقارب أيضاً نتيجة ضغط أميركي على البلدين لتشكيل جبهة ضدّ «داعش»، وإحلال التفاهم في قضايا عالقة بينهما في سوريا وليبيا ومصر. فلدى البلدَين استعداد للتعاون، إذ تعيش تركيا اليوم صراعاً مع إيران في كلٍّ من العراق وسوريا، وهي تستفيد من انخفاض أسعار النفط وتربح مالياً واستراتيجياً بفضل السياسة السعودية في هذا المجال. لكنها لا تريد تحويل صراعها مع إيران إلى حرب، أما السعوديون فهم قلقون من النشاطات الإيرانية في العراق والبحرين، وفي اليمن حالياً.
يعترف المسؤولون الأتراك بحقّ إيران في امتلاك الطاقة النووية السلمية، وهم يذكّرون نظراءهم الإيرانيين بضرورة اعتماد الشفافية القصوى حول إنجازاتهم ونياتهم. ولكن من المستبعد أن تذهب تركيا إلى حدّ الاتفاق مع السعودية على أساس الصراع مع إيران. إذ طوّرت أنقرة وطهران علاقاتهما باطّراد في المجالات السياسية والاقتصادية وعلى أساس المصالح مشتركة بينهما، بالإضافة إلى امتلاكهما أقدم حدود برية.
ويرى باحثون أتراك أن العلاقة مع إيران هي علاقة تنافسية وليست صراعية، رغم أن للبلدين ثقافتين إسلاميتين مختلفتين. أما المشاركة في حلف إقليمي جديد على أساس مذهبي، فسيكون ضد مبدأ السياسة الخارجية التقليدية لتركيا «سلام في الداخل، سلام في العالم»، خصوصاً أنه لا يناسبها الانضمام إلى أي تحالف في المنطقة من أجل المواجهة مع إيران، ولا سيما أن الداخل التركي منقسم بسبب سياسة «العدالة والتنمية» في سوريا. وتعتقد المعارضة التركية أن فكرة الانضمام إلى جبهة مناهضة لإيران تقودها السعودية بعد تطبيع العلاقات المحتملة بين أنقرة والقاهرة، أمرٌ مضر بتركيا. هي ترى أن هذا الأمر يتنافى مع توجهات رئيس الحكومة، أحمد داوود أوغلو، القريب من إيران، إلا إذا كان أردوغان يعتقد أن بامكانه اتخاذ قرار كهذا بمفرده أيضاً، كما هي الحال في السياسة التي يتبعها داخلياً.