لم يعد الحديث عن استفادة الصهيونية ودعايتها في العالم، من الجرائم المرتكبة تحت عباءة «التطرّف الاسلامي»، مجرّد فرضيات وتحليلات. لقد بات جليّاً في الأشهر الأخيرة، الخيط الوظيفي القائم بين أعمال العنف التي ينفذها «إسلاميون» في أنحاء العالم، ومحاولة كسب الخطاب الاسرائيلي التعاطف والتضامن من الرأي العام، في محاولة منه لاستعادة «مظلومية»، هي حجر الزاوية في الايديولوجيا الصهيونية التي بنت عليها دولتها. «نظرية المؤامرة»، التي لطالما ربطت عمل «المجموعات الإرهابية» بالمشاريع الاميركية والصهيونية، يمكن أن تتكئ اليوم على وقائع تحدث فعلاً في أوروبا، حيث تحاول إسرائيل رفع رصيدها العالمي انطلاقاً من هذه الوقائع، ما يجعل العلاقة بينهما تبدو أقرب إلى علاقة «تخادم». وإن كان ذلك ممنهجاً أو محض صدفة، هو في النهاية يحدث، ويحيل على تساؤلاتٍ وإشكالياتٍ عدة، متعلقة بصلة «التطرّف الاسلامي» بالمكاسب التي يقدّمها إلى دولة الاحتلال.


وعقب اعتداءين على مركز ثقافي وكنيس يهودي في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، في اليومين الماضيين، عاد خطاب «رهاب الاسلام» إلى الواجهة الأوروبية مجدداً، لكن هذه المرة بلغةٍ أوضح من قبل. إنها «فاشية إسلامية»، أكد رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، فيما فضّلت صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية، توصيف الواقع على النحو الآتي: «أوروبا تواجه العدوى الاسلامية»، وفق مانشيت عددها الصادر أمس.

ليبرمان: لرفع عدد السكان اليهود في إسرائيل إلى 10 ملايين

يبدو أن محاولات احتواء العنصرية التي سادت بعد الهجوم على صحيفة «شارلي إيبدو» في باريس، لم تعد مجدية. بدأت لغةً أكثر «وضوحاً» تحتل المشهد، نازعةً عنها أدبيات المجاملة والمهادنة، بغضّ النظر عن تداعيات هذه اللغة، وما قد ينجم عنها في المجتمعات الاوروبية التي تغلي اليوم.
في هذا الوقت، تسعى تل أبيب الى اقتناص «اللحظة التاريخية». بعدما عاد رئيس الوزراء الاسرائيلي، بنيامين نتياهو، لدعوة يهود أوروبا إلى الهجرة باتجاه اسرائيل والاستقرار فيها للمرة الثانية خلال شهر، تبعه وزير الخارجية الاسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، داعياً إلى هجرة ملايين اليهود من العالم إلى إسرائيل «لرفع عددهم هناك إلى أكثر من 10 ملايين». وقال ليبرمان عبر موقع «فيسبوك»، يوم أمس، «على اليهود في العالم أن يفهموا أن هناك مكانا واحدا فقط آمن لهم وهو دولة إسرائيل». وأضاف أن الهجرة الكبيرة إلى إسرائيل ستساهم في البلد، «لأننا بعد أن نصبح 10 ملايين يهودي، يمكننا أن نحل كل مشاكلنا رغماً عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي».
وردّاً على دعوة نتنياهو، أكد الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، أن اليهود «لهم مكانتهم في أوروبا، وخصوصاً في فرنسا». وبعد الاعتداء على مدافن يهودية شرق فرنسا يوم أمس، دعا هولاند الفرنسيين إلى «التيقظ»، معلناً مشاركته اليوم «إن سمحت الظروف» في حفلٍ سيقام في منطقة المدافن. وقال هولاند «لن أقبل تصريحات تصدر في إسرائيل تبعث على الاعتقاد بأن اليهود لم يعد لهم مكانتهم في أوروبا وعلى الأخص في فرنسا»، مضيفاً «لكن علينا أن نضمن لكل يهود فرنسا، وبشكلٍ أوسع لكل مواطني فرنسا، الأمن والاحترام والاعتراف والكرامة». من جهته قال مانويل فالس، إن فرنسا لا ترغب برحيل يهودها إلى إسرائيل، معبراً عن «أسفه» لتصريحات نتنياهو. وقال فالس، في حديثٍ لإذاعة «أر تي أل»، إن «جهودنا يجب أن تكون موحدة لمحاربة الفاشية الاسلامية، لأنه هكذا ينبغي تسميتها، وعدم الرضوخ للخوف والانقسام». ووجه فالس رسالةً إلى اليهود الفرنسيين، قائلاً: «فرنسا جريحة مثلكم وفرنسا لا تريد رحيلكم، إنها تؤكد مرة أخرى حبها ودعمها وتضامنها».
ووسط هذا المناخ الاستقطابي، بدأ الخطاب الذي يصوّر أن حرباً بين «الارهاب» واليهود دائرة في أوروبا (تضم 1.4 مليون يهودي)، يؤتي ثماره. «يشعر اليهود في أوروبا بأنهم المستهدف الأول اليوم»، يؤكد رئيس المركز الإسرائيلي الفرنسي جويل مرغي، في حديثٍ إلى موقع «20 مينوت» الفرنسي. ويضيف أنه من غير المقبول أن نشاهد بعد 70 عاماً على المحرقة، صعود معاداة السامية مجدداً في أوروبا. ويعلّق مرفي على دعوة نتنياهو اليهود، بالقول إن نتنياهو «رئيس وزراء الدولة اليهودية الوحيدة في العالم، وهو بالتالي يؤدي دوره على أكمل وجه»، مستدركاً أن دعوته لا تعني أن اليهود سيلبونها مباشرةً، «فكل مواطن أوروبي يختار مكان إقامته وفقاً لعمله وعائلته ورغبته». ورحّب مرغي بدعوة نتنياهو، مشيراً في الوقت نفسه إلى كلمة فالس بشأن يهود فرنسا منذ شهر. ورأى أن الجدل حول مكان وجود اليهود اليوم، «أفضل مما جرى قبل 70 عاماً، حين لم يكن اليهود يعلمون أين يذهبون»، داعياً الدول الاوروبية الى جمع جهودها مع الولايات المتحدة في مواجهة الإرهاب، حيث أن تعزيز الامن بجانب المدارس ودور العبادة غير كافية: «على الحكومة الفرنسية مراقبة المدن، حيث يتدفق السلاح، وتحديد هوية الاماكن المشبوهة والاشخاص المنخرطين في الجهاد».
من جانبهم، رفض يهود الدنمارك دعوة نتانياهو، وقال المتحدث باسم «الجالية اليهودية» في الدنمارك، جيب جوهل، «نحن شاكرون جداً لنتانياهو على قلقه، ولكن مع ذلك فنحن دنماركيون، نحن يهود دنماركيون، ولكننا دنماركيون، ولن يكون الارهاب هو السبب الذي يجعلنا نذهب إلى اسرائيل». وأضاف «نحن نتفهم قلقه على راحتنا، ونقدر له قلقه، ولكننا دنماركيون وسنبقى في الدنمارك»، التي يعيش فيها نحو 8000 يهودي. واذا انتقلنا الى اسرائيل فان ذلك سيكون لأسباب اخرى».
في هذا الوقت، واصلت الشرطة الدنماركية، التحقيقات بشأن منفذ الهجومين، عمر الحسين، الذي قتلته قوات الأمن أول من أمس، ووجهت السلطات القضائية الدنماركية إلى شخصين تهمة التواطؤ مع الحسين الذي قالت وسائل إعلام محلية إنه فلسطيني الأصل. وأعلنت الشرطة في بيان أن الحسين «شاب في الثانية والعشرين من العمر من مواليد الدنمارك ومعروف لدى الشرطة لتورطه بجُنح تتضمن حمل سلاح واعمال عنف». وذكرت صحيفة «اكسترا بلاديت» الدنماركية، أن الشاب كان قد خرج من السجن قبل أسبوعين بعد قضاء عقوبة لمهاجمته شاباً في التاسعة عشرة بالسكين، في محطة كوبنهاغن للقطارات من دون سبب واضح، كما كان معروفاً لدى أجهزة الاستخبارات التي افادت بأنها تحقق في «فرضية مفادها أن الشخص المعني قد يكون استلهم الأحداث التي جرت في (مقر مجلة) شارلي إيبدو في باريس».

(الأخبار)