بعد خمسة أعوام في خدمة الادارة التركية والرئيس رجب طيب أردوغان في منصب مدير جهاز الاستخبارات التركية، يستعد حقان فيدان لمرحلة جديدة في حياته السياسية عبر خوضه الانتخابات البرلمانية المقبلة في خطوة تمهيدية لتولي احد المنصبين، إما رئاسة الحكومة او وزارة الخارجية.
وقبيل 3 أيام من انتهاء المهلة القانونية أمام موظفي القطاع العام للاستقالة من مناصبهم، التي تنتهي غداً الثلاثاء وفقاً للقانون التركي، إذا أرادوا الترشح للانتخابات التشريعية المقررة في 7 من حزيران المقبل، قدم حقان فيدان استقالته إلى رئيس الحكومة أحمد داود أوغلو.
رجل الثقة والمهمات الصعبة لدى أردوغان تخلى عن منصبه خارجاً من الظل إلى العلن هذه المرة ليواصل خدمة سيد تركيا الذي ابدى اعتراضه على الاستقالة بقوله «أنا صريح وأقول بصراحة لا أنظر بإيجابية إلى ترشحه».
وأثير أخيراً الكثير من الأحاديث عن الدور المقبل لفيدان في القيادة التركية تنوعت بين توليه رئاسة الحكومة أو وزارة الخارجية، التي رشح سابقاً لتوليها في حكومة داود أوغلو الأخيرة، وكما هو معروف فإن القانون التركي لا يلزم أن يكون الوزراء نواباً، إلا في منصب رئاسة الحكومة، وعضوية البرلمان مجرد عنوان لتولي الحقائب الوزارية. وجرت العادة أن يكون الوزراء نواباً في البرلمان بحسب العرف السياسي في البلاد.

ومع ارتفاع أسهم حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا، وفوزه شبه المؤكد في الانتخابات التشريعية، يرى مراقبون أن المسافة، الضئيلة أصلاً، بين فيدان وأردوغان ستتقلص أكثر بعد الانتخابات.
وأوضح المفكر الزائر في مركز «كارنيغي»، مارك بيريني، أن فيدان يمكن أن يعزز علاقاته مع الرئيس. وأضاف «في حال انتخابه فإنه سيكون من بين أهم الأسماء في الحزب الحاكم في البرلمان الجديد، وسيكون واحداً من المقربين جداً من السلطة».
إلا أن بيريني أضاف أنه «من المبكر القول ما إذا كان وجوده المحتمل في الحكومة مستقبلاً، سيكون له تأثير كبير في سياسة تركيا الخارجية».
وفيما نفى نائب رئيس الحكومة، يالتشين أق دوغان، أن يكون فيدان مرشحاً أو أنه يسعى لدخول البرلمان من أجل الحصول على الحصانة، يبقى فيدان مرشحاً جدياً لرئاسة الحكومة الجديدة عقب الانتخابات. وقد أعلن رئيس الحكومة، أحمد داود أوغلو أخيراً أن فيدان «يفرض نفسه أفضل مرشح لأي منصب كان».
في عام 2010 فاجأ رئيس الحكومة حينها، رجب طيب أردوغان الأتراك بتعيينه فيدان، الآتي من خارج المؤسسة الاستخبارية في منصب رئيس جهاز الاستخبارات التركية للمرة الثانية في تاريخ تركيا بعد تبتان جوسال، الذي عيّن من خارج المؤسسة عام 1992.
وعلى عكس رجال الاستخبارات السابقين الذين غالباً ما كانت أسماؤهم مخفية، فإن اسم فيدان كان متداولاً في الصحافة التركية. وامتثالاً للتكتم المفروض حول رؤساء أجهزة الاستخبارات، فإن النبذة الرسمية لفيدان على الموقع الالكتروني للجهاز مختصرة بأكبر قدر ممكن.

تولى فيدان تحريك الخيوط في سياسة تركيا تجاه سوريا

ولد حقان فيدان في أنقرة في 1968 وبدأ حياته المهنية في أدنى مراتب الجيش التركي كمساعد ضابط. وقام بمهمات ذات طابع استخباري قبل استقالته من القوات المسلحة العام 2001.
بعد الاستقالة، أكمل فيدان تحصيله العلمي وتحصل على شهادتين، الأولى في العلوم السياسية من جامعة «ميري لاند» في الولايات المتحدة، والثانية في تركيا حيث درس في جامعة «بلكند» الخاصة.
تولى فيدان بعد ذلك ادارة الوكالة التركية للتعاون الدولي الحكومية التي تنشط كثيراً في الجمهوريات السوفياتية السابقة الناطقة بالتركية وفي أفريقيا وعدد من الدول المسلمة، حيث تسعى أنقرة منذ عشرات السنين إلى اتخاذ موطئ قدم لها ضمن اطار استراتيجيتها كقوة إقليمية.
وواصل فيدان صعوده في دوائر السلطة من خلال الالتحاق بمكتب رئيس الحكومة حينها رجب طيب أردوغان كمساعد وزير دولة.
وقد أتاح له ذلك مجالاً للتعاون على نحو واسع مع وزير الخارجية ورئيس الوزراء مستقبلاً أحمد داود اوغلو، مهندس مفهوم «العثمانية الجديدة» عندما كان استاذاً جامعياً ومستشاراً لأردوغان.
وضمن هذا الاطار، شارك فيدان في المحادثات السرية في أوسلو في 2009 مع قادة حزب «العمال الكردستاني»، وعند تعيينه رئيساً لجهاز الاستخبارات في 2010 واصل جهوده حتى عام 2011 عندما كشفت صحف تركية عن هذه المحادثات ما أدى إلى انهيارها.
وأدت هذ المرحلة إلى تسليط الأضواء على الرئيس القوي «للجهاز»، عندما اشتبه مدعون عامون في 2012 في أن فيدان تجاوز صلاحياته في المحادثات مع المتمردين الأكراد واستدعوه لشرح ما حدث.
ومن أجل حمايته، سارع أردوغان إلى تبني قرار في البرلمان الخاضع لسيطرته يعفي العاملين في جهاز الاستخبارات من الرد على طلبات القضاء.
ومن خلال خلفيته الأكاديمية والعسكرية استطاع فيدان إدخال تعديلات كبيرة في تكوين جهاز الاستخبارات، وأقنع أردوغان بتجميع جميع أجهزة الاستخبارات في الخارجية والأمن والجيش تحت جهاز الاستخبارات العامة، الأمر الذي أزعج الأوساط في الأمن والجيش.
كما أن فيدان المعروف عنه القوة والتكتم والمهابة، مطلع على كافة الملفات الحساسة التي يحاسبه عليها رئيس الدولة فقط، منها تحريك الخيوط في سياسة تركيا تجاه سوريا، ما يجعل منه مهندس العلاقات المثيرة للجدل مع الجهاديين الأكثر تطرفاً وبينهم تنظيم «داعش»، الذين يقاتلون نظام الرئيس السوري بشار الاسد.
جهود فيدان كانت محط ترحيب وإشادة من أردوغان، الذي لم يتوان إبان تسلمه رئاسة الحكومة في 2012، عن تقديم الاشادة علناً بفيدان في خطوة نادرة قائلاً «إنه موظف كفوء جداً. فهو كاتم أسراري وكاتم أسرار الدولة».
ولعل شهادة سفير الولايات المتحدة في تركيا والعراق جيمس جيفري في فيدان تلخص دور الرجل وقوة تأثيره، إذ قال إن «فيدان هو وجه الشرق الأوسط الجديد. وعلينا أن نعمل معه لأنه يستطيع إنهاء المهمات، لكن لا يجوز افتراض أنه الصديق الساذج للولايات المتحدة، لأنه ليس كذلك»، بينما وصفه الخبير في شؤون الاستخبارات إيمري أوسلو بأنه «أقوى كثيراً من أي وزير، بل إنه أقوى من الرئيس (السابق) عبدالله غول نفسه».
وفي 2013، اتهمه صحافي أميركي بأنه باع لطهران هويات جواسيس إسرائيليين ينشطون في إيران، لكن السلطات التركية نفت ذلك وجددت ثقتها به.
وفي مطلع 2014، جرى توقيف عدد من عناصر جهاز الاستخبارات على الحدود السورية مع شاحنة أسلحة مخصصة لمعارضين سوريين متشددين. وأثار الأمر فضيحة لكن سرعان ما جرى نسيانها عندما تمكن الجهاز في أيلول من الافراج عن 46 تركيا احتجزهم تنظيم «داعش» رهائن في العراق.
(الأخبار)