توصل رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، والرئيس الأميركي، باراك أوباما، أمس، إلى اتفاق على تحريك اتفاق التعاون حول التكنولوجيا النووية المدنية المعطل منذ ست سنوات، فيما أشادا بعهد جديد من الصداقة بين البلدين، في مشهد يعكس إرادة الطرفين في العبور فوق إشكاليات العلاقات الثنائية وترسيخ قواعد إقليمية جديدة تهدف، أساساً، إلى مواجهة النفوذ الصيني.
وبعد ترحيب مودي بأوباما ومعانقته عندما نزل من الطائرة الرئاسية في مطار نيودلهي الدولي، أشاد رئيس الوزراء الهندي بـ«الانسجام» مع أوباما. وفعلياً، خالف رئيس الوزراء الهندي قواعد البروتوكول بسبب طريقة استقباله الرئيس الأميركي، وذلك في إشارة إلى عزمه على تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة. ووفقاً للبروتوكول الهندي، لا يستقبل رئيس الوزراء الزوار الأجانب لدى وصولهم، بل يرحب بهم في مراسم رسمية في القصر الرئاسي.

وأطلق الحرس الرئاسي 21 طلقة مدفعية لدى وصول أوباما الى القصر. وقال الرئيس الأميركي الذي وصل في سيارة فخمة مصفحة يواكبها جنود الخيالة «إنه شرف كبير»، معبراً عن امتنانه لهذه «الضيافة الرائعة». وذكرت تقارير إعلامية أنه تم نشر نحو 40 ألفاً من قوات الأمن لتأمين الزيارة وتركيب 15 ألف كاميرا مراقبة جديدة في أنحاء العاصمة.
وقال مودي، الذي كانت تعامله واشنطن كشخص غير مرغوب فيه قبل أقل من عام، إن «الصداقة» الجديدة تعكس وداً طبيعياً بين البلدين.

أشاد أوباما بـ«الصداقة الشخصية» مع نظيره

والمعروف أن البلدين يتطلعان الى مواجهة تصاعد قوة الصين. وتَعتبر الولايات المتحدة الهند سوقاً واسعة وقوة مضادة محتملة للنفوذ الصيني القوي في آسيا، لكنها كثيراً ما تشعر بخيبة أمل بسبب ما تصفه بـ«بطء وتيرة الإصلاح الاقتصادي»، إضافة إلى عدم الاستعداد للوقوف إلى جانب واشنطن في الشؤون الدولية. لكن مودي الذي انتخب في شهر أيار الماضي، أضفى حيوية جديدة على الاقتصاد والعلاقات الخارجية، وبدأ بالتصدي للوجود الصيني المتزايد في جنوب آسيا، وهو أمر يسعد واشنطن.
ومن ضمن القضايا المطروحة خلال الزيارة، تود الهند من جهتها أن ترى موقفاً أميركياً جديداً بالنسبة إلى باكستان. وكان وزير المال الهندي، آرون غايتلي، قد قال في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس قبل زيارة أوباما، إن بلاده تسعى إلى «تفاهم أكبر بكثير مع الولايات المتحدة في ما يتعلق بالقضايا الإقليمية».
وتضاعفت المبادلات التجارية بين العملاقين خمس مرات منذ عام 2000 بحيث بلغ حجمها مئة مليار دولار سنوياً. وقد حددت واشنطن هدفاً يقضي بمضاعفة هذا الرقم خمس مرات خلال السنوات المقبلة.
وكان انتخاب مودي في 2014 قد شكّل تحدياً للولايات المتحدة التي أدرجته على القائمة السوداء قبل عقد من الزمن ورفضت منحه تأشيرة دخول عام 2005 بسبب أعمال العنف في ولاية غوجارات والتي كان حاكمها عام 2002. إلا أن السفيرة الأميركية، نانسي باول، توجهت الى تلك الولاية عندما بدا من المرجح فوز مودي بالانتخابات لينهي هيمنة «حزب المؤتمر» الذي حكم البلاد لفترة طويلة.
ومنذ توليه السلطة، بدا أن مودي لا يحمل ضغينة للولايات المتحدة ووجه دعوة شخصية لأوباما لحضور احتفالات «يوم الجمهورية» ليكون أول رئيس أميركي يحلّ ضيفاً على هذه الاحتفالات التي ستجرى اليوم.
وأمس، برغم عدم إعلان الزعيمين عن قرارات كبيرة في السياسات باستثناء تحريك الاتفاق النووي، قال مودي إن قرار أوباما بأن يصبح أول رئيس أميركي يزور الهند مرتين أثناء توليه منصبه له أهمية رمزية هائلة. وأضاف في مؤتمر صحافي مشترك إن «العلاقات بين البلدين تعتمد بشكل أقل على النقاط والفواصل وعلامات الترقيم الأخرى، وبشكل أكبر على العلاقات بين الزعيمين... والانسجام بينهما». وتابع قائلاً «أنا وباراك أصبحت بيننا صداقة قوية... وهذا الانسجام قربنا أنا وباراك بشكل أكبر كما قرّب بين واشنطن ودلهي وشعبي البلدين بشكل أكبر».
وبعدما افتتح كلمته ببضع كلمات باللغة الهندوسية، أشاد أوباما بـ«الصداقة الشخصية» مع مودي، وقال إن التقارب عكس التزاماً مشتركاً بقيم مثل الديموقراطية وريادة الأعمال.
وأضاف أوباما «إضافة الى الصداقة الشخصية، فإننا نعكس كذلك الدفء والحب بين الشعبين الهندي والأميركي... وليس من المفاجئ أن تكون بيننا صداقة لأننا نعكس قيم شعبينا».
ومثل أوباما، خرج مودي من منزل متواضع ليدخل ضمن النخبة السياسية التي كانت تهيمن عليها العائلات القوية. ويقول متابعون إن علاقة صداقة نشأت بين الرجلين في واشنطن في أيلول الماضي عندما أخذ أوباما مودي إلى النصب التذكاري لمارتن لوثر كينغ، الذي كان قد استوحى نضاله الحقوقي من المهاتما غاندي.
وأجرى، أمس، الزعيمان محادثات استمرت أكثر من ثلاث ساعات توّجت تحولاً كبيراً بين البلدين بعد الخلاف الدبلوماسي في أواخر 2013.
وشارك الرئيس الأميركي في مراسم وضع أكاليل الزهور وغرس أشجار عند ضريح المهاتما غاندي، وبعد ذلك حضر عشاءً رسمياً.
لكن المحطة الأبرز لالتقاط الصور خلال الزيارة تم إلغاؤها. ولم يتوجّه أوباما وزوجته الى ضريح تاج محل. وأثار قرار اختصار الزيارة للتوجه الى السعودية للتعزية بوفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز خيبة امل.
وتأتي زيارة أوباما بعد أشهر من أول زيارة رسمية يقوم بها مودي للولايات المتحدة. وكان أبرز إعلان هو حول الاتفاق النووي الذي واجه سلسلة من التأخيرات منذ توقيعه في 2008. ومن المقرر أن يمنح الاتفاق الهند إمكانية الحصول على التكنولوجيا النووية المدنية، إلا أنه توقف تنفيذها بسبب مخاوف أميركية حول قوانين الهند الصارمة بشأن المسؤولية في حال وقوع حادث نووي.
وقال مودي في مؤتمر صحافي «يسرني أنه بعد ست سنوات من توقيعنا على الاتفاق الثنائي، أننا نتقدم باتجاه التعاون التجاري بما يتناسب مع قوانيننا ومع الالتزامات القانونية الدولية». وبرغم عدم ورود تفاصيل حول كيفية حدوث التقدم، إلا أنه تردد أن الهند عرضت وضع مجموعة ضمانات لتعويض الشركات التي تبني مفاعلات.
وقال أوباما «اليوم حققنا تفاهماً يعدّ اختراقاً حول قضيتين كانتا تعيقان قدرتنا على دفع تعاوننا النووي المدني قدماً، ونحن ملتزمون بالتحرك قدماً لتطبيق الاتفاق بالكامل». وأضاف «هذه خطوة مهمة تظهر كيف أننا قادرون على العمل معاً لتعزيز العلاقة بيننا».
وحتى قبل أول اجتماع رسمي بين الزعيمين، ذكرت وسائل إعلام هندية أن المفاوضين توصلوا إلى اتفاق بشأن التجارة النووية السلمية.
كما ناقش الزعيمان، أمس، قضية التغير المناخي على ضوء المباحثات القائمة من أجل التوصل إلى اتفاق عالمي يحد من الانبعاثات الضارة بالبيئة والذي يجب التوقيع عليه في باريس في كانون الأول المقبل.
وأكد مودي للصحافيين أنه لا يشعر بأي «ضغط» من أوباما حول مسألة التغير المناخي، إلا أنه يشعر «بالضغط عندما يفكر في الأجيال المستقبلية والعالم الذي سنمنحهم إياه». وتعتمد الهند التي تعاني من انقطاع الكهرباء بشكل كبير على محطات الكهرباء التي تعمل بالفحم.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)