أعلنت الشرطة في مدينة ماريوبول المطلة على بحر آزوف جنوبي أوكرانيا أن 30 شخصاً على الأقل قتلوا وأصيب العشرات بجروح في قصف صاروخي استهدف سوقاً في المدينة، صباح السبت، في ما قد يفتح جبهة جديدة في النزاع المستمر منذ تسعة أشهر، والذي أوقع أكثر من خمسة آلاف قتيل. وتوالت ردود الفعل الدولية على هذا الهجوم، لا سيّما التهديد الأوروبي بفرض عقوبات على الانفصاليين، وفشل مجلس الأمن في الخروج بقرار يتعلّق بهذا الموضوع.

وكان مسؤولون في المدينة التي تسيطر عليها حكومة كييف قد صرحوا بأن انفصاليين موالين لروسيا أطلقوا، صباح السبت، رشقات من صواريخ (غراد) على حيّ سكني في ماريوبول، وذلك بعدما هدّدوا بتصعيد هجماتهم ضد الحكومة.

وفي وقت لاحق، أعلن زعيم الانفصاليين الموالين لروسيا في شرقي أوكرانيا، اليكساندر زاخارشينكو، أن مسلّحيه بدأوا هجوماً كبيراً على ماريوبول، مؤكداً مسؤولية الانفصاليين عن القصف الصاروخي.
ونقلت وكالة الأنباء الروسية عن زاخارشينكو قوله: «أطلقنا اليوم هجوماً على ماريوبول، وهو هجوم سيمثل أفضل ذكرى لقتلانا».
والاستيلاء على المدينة سيفتح ممراً برياً، بين روسيا وشبه جزيرة القرم، التي ضمّتها موسكو في آذار، ولا تزال تعتمد على أوكرانيا للتزوّد بالمياه والكهرباء.
ورداً على هذه الأحداث، توعّد الرئيس الأميركي باراك أوباما بـ«زيادة الضغوط على روسيا»، مؤكداً أنه ينظر في كافة الخيارات «باستنثاء الخيار العسكري»، فيما دعا وزير خارجيته جون كيري روسيا إلى وقف دعمها للانفصاليين في أوكرانيا «فوراً».
وحذر كيري السبت، خلال زيارة لمدينة زيوريخ السويسرية، من أنه «إذا لم يتم ذلك (وقف الدعم)، فإن الضغوط الأميركية والدولية على روسيا وحلفائها ستزداد»، مديناً بـ«أقسى العبارات الهجوم المروع» على ماريوبول.
وقال إن الهجوم يعدّ «انتهاكاً سافراً لاتفاقيات مينسك التي وقّعوا عليها»، مضيفاً أن هجوم الانفصاليين الجديد «حصل بدعم وتحريض من قرار روسيا غير المسؤول والخطير بإعادة تزويدهم في الأسابيع الأخيرة بمئات القطع الجديدة والأسلحة المتطورة، ومن بينها الأنظمة الصاروخية والمدفعية الثقيلة والدبابات والعربات المدرعة، إضافة إلى القيادة والسيطرة العملياتية المستمرة».
في مقابل ذلك، دعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الولايات المتحدة إلى «استخدام نفوذها على السلطات الأوكرانية لترفض المراهنة على سيناريو عسكري». كذلك أعلن أن تجدّد العنف في أوكرانيا في الأيام الأخيرة، الذي أوقع عشرات القتلى، ناتج من الهجمات «المستمرة» للجيش الأوكراني على «مناطق مأهولة».
وقال لافروف، في بيان لوزارة الخارجية الروسية، خلال محادثة هاتفية مع نظيره الأميركي جون كيري، إن «التصعيد في الوضع هو نتيجة انتهاك القوات الأوكرانية الفاضح لاتفاقيات مينسك بسبب قصفها المستمر للمناطق الآهلة بالسكان».
وذكّر بأن الرئيس الأوكراني بترو بوروشنكو «لم يرد بعد» على اقتراح نظيره الروسي فلاديمير بوتين بسحب الأسلحة الثقيلة من الجبهة، بين القوات الأوكرانية والانفصاليين الموالين لروسيا في الشرق. وقال إن السلطات الأوكرانية «لم تحترم أيضاً تعهداتها بإطلاق عملية دستورية شاملة تشارك فيها كافة المناطق والقوى السياسية في البلاد».
وفي محادثة هاتفية منفصلة مع وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، دعا لافروف الاتحاد الأوروبي إلى «عدم غض النظر» عن سياسة «العسكرة» التي تنتهجها سلطات كييف، بعدما أعلنت عن «عمليات تعبئة جديدة وأمرت بتكثيف القصف».
وقال إنه يأمل أن تحصل بروكسل على «موافقة كييف لبدء عملية جديدة لإيجاد تسوية سياسية» في أوكرانيا، كذلك طالب بفتح «تحقيق موضوعي وغير منحاز» في الهجمات الأخيرة على المدنيين في دونيتسك وماريوبول شرقي أوكرانيا.
من جهتها، لوّحت أوروبا بفرض عقوبات جديدة على انفصاليي أوكرانيا، فيما حثّ حلف «شمال الأطلسي» (ناتو) موسكو على وقف زعزعة استقرار أوكرانيا، ووقف مدّ الانفصاليين بالمساعدات السياسية والمالية.
وأفاد الاتحاد الأوروبي، في بيان، بأنه بصدد النظر في إمكانية عقد اجتماع طارئ لوزراء خارجيته في بروكسل، الأسبوع المقبل، لفرض عقوبات إضافية ضد الانفصاليين الموالين لروسيا، على خلفية الهجوم على ماريوبول.
وأوضح الاتحاد أن وزير خارجية لاتفيا، ادجارس رينكيفيكس، الذي ترأس بلاده الدورة الحالية للمجلس الأوروبي، طلب من الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، فريديريكا موغريني، عقد هذا الاجتماع.
كذلك، دعت موغريني، في بيان منفصل، روسيا إلى «استخدام نفوذها الكبير على الزعماء الانفصاليين ووقف أي شكل من أشكال الدعم العسكري أو السياسي أو المالي عنهم لتفادي عواقب وخيمة على الجميع».
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، ينس شتولتنبرج، حثّ بدوره موسكو على «وقف زعزعة استقرار أوكرانيا ووقف مد الانفصاليين الذين شاركوا في هجوم شرقي أوكرانيا بالمساعدات السياسية والمالية». وقال شتولتنبرج، في بيان صحافي: «اكتشفنا وجود القوات الروسية في شرقي أوكرانيا منذ عدة أشهر، فضلاً عن زيادة كبيرة في المعدات الثقيلة الروسية مثل الدبابات والمدفعية وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة».
ومساء السبت حاولت الدول الـ15 في مجلس الأمن الدولي صياغة إعلان حول ماريوبول بمبادرة من لندن. لكن روسيا عرقلت المبادرة، وفقاً لدبلوماسيين غربيين. إلا أن المكتب الصحافي التابع لممثلية روسيا الدائمة في المجلس أفاد بأنه «خلال يوم 24 كانون الثاني بحثنا الموقف الذي يمكن لأعضاء مجلس الأمن تبنّيه من أحداث ماريوبول التي أدت إلى مقتل مدنيين، إلا أننا لم نتوصل إلى إجماع بسبب إصرار الوفد البريطاني على أن يصدر المجلس تنديداً بتصريحات فردية صادرة عن ممثلي قوات الدفاع الشعبي (شرقي أوكرانيا)».
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)