اشتهرت مدينة دافوس بكونها مصحّة أوروبا لمرضى السلّ خلال القرن الماضي. غير أنها منذ عام 1971 أضحت مركزاً لأبرز تجمع للأغنياء ونخب الأعمال تشهده الأرض سنوياً: مؤتمر الأعمال الذي ينظمه المنتدى الاقتصادي العالمي، ويحمل اسم المدينة السويسرية.

صحيح أن موجة فيروس «إيبولا» أعادت إلى العالم هواجسه القديمة من موجات الموت الجماعي الناجمة عن أمراض القرون الوسطى، ولكن يُمكن براحة القول إن البشرية تخلّصت من العديد من مآسيها البيولوجية التقليدية، فقط لتتعلق بمآسٍ إنسانية واجتماعية يولدها اقتصاد كوني معظمه تديره النخبة المجتمعة في سويسرا.

هذه النخبة هي أغنى 1% من البشرية، أو من ممثلين عنهم، موجودين في إطار يؤمّن لهم الحركة واللقاءات التي ستُسهم في مضاعفة ثرواتهم في المستقبل، تماماً كما يحدث عندما يتزوج أبناء الأغنياء بعضهم بعضاً.
هذا التأثير تحدثت عنه منظمة «أوكسفام» في تقرير نشرته هذا الأسبوع حول اللامساواة في العالم وتركز الثورة، توقعت فيه أن تتخطّى حصّة أغنى 1% ما يملكه الـ99% الباقون من الثروات العالمية، في عام 2016.

سيتراجع الاستثمار في قطاع النفط خلال هذا العام بتقدير مئة مليار دولار

هكذا نوع من المؤشرات هو تحديداً ما يصبو إليه المجتمعون في سويسرا؛ يحققون ذلك عبر تكثيف اللقاءات وتطوير العلاقات.
يشرح المدير التنفيذي للموقع المختص بالأعمال «Business Insider»، هنري بلودجت، الذي حضر المؤتمر خلال السنوات الأخيرة، هذا الواقع في مقال نشرته شركته: «هذا الصباح، قال لي مدير كبير في إحدى الشركات العابرة للقارات إنه سيقوم وزميل له بلقاء 100 زبون خلال الأيام الثلاثة المقبلة». يوضح: «ليس هناك أي مكان آخر في العالم يؤمن لهم هذا المستوى من اللقاءات بهذه الفاعلية في هذا الوقت المضغوط».
لذا فإن كثيرين لا يُمانعون دفع ما يفوق 70 ألف دولار للحصول على بطاقة ثمينة لحضور المنتدى.
انطلقت فكرة المؤتمر في السبعينيات، بجهود من أستاذ إدارة الإعمال في جامعة جنيف، كلاوس شواب، ليكون حيزاً للقاء بين قادة الأعمال ومديري الشركات والتباحث في سبل تعزيز فاعلية الإدارة.
ولكن سرعان ما تحول إلى «أبرز خمسة أيام» في كلّ عام لإبرام أكبر الصفقات. وفي ذات الوقت يؤمن منصة للتباحث في أبرز القضايا الاقتصادية التي يواجهها النظام العالمي.
في اليوم الأول من المؤتمر هذا العام، كان النفط في قلب النقاش. فقد تدهور سعر هذه السلعة الاستراتيجية أكثر من 50% خلال الأشهر القليلة الماضية، وشكّل أبرز عامل محدد لمراكمة الثروات أو خسارتها في النظام العالمي، نظراً إلى تشابك التوقعات حول سعره خلال المرحلة المقبلة.
وقد تكثّفت التحليلات حول سبب تدهور السعر، غير أن ما تم تأكيده به رسمياً هو أن السعودية، ومعها منظمة الدول المصدرة للنفط، «أوبك»، عمدت إلى المحافظة على إنتاجها ثابتاً في الخريف الماضي رغم تدهور السعر. كان «قراراً تاريخياً» شرحه ممثّلو المنظمة والمملكة في المؤتمر.
«ناقشنا لفترة أربع ساعات حال الاقتصاد العالمي واتفقنا بإجماع، باستثناء وزير أو وزيرين، في النهاية على إبقاء الإنتاج ثابتاً»، شرح الأمين العام لـ«أوبك»، عبد السلام البدري، خلا جلسة نقاش حول «العوامل الاقتصادية الاستراتيجية في قطاع الطاقة حالياً».
وأكد البدري وجود فائض في الإنتاج «رغم أن أوبك لا تزيد إنتاجها عن 30 مليون برميل يومياً خلال السنوات العشر الماضية... إلا أن الآخرين يفعلون ذلك ويضخون 7 ملايين برميل يومياً، وهي كمية لها كلفة يؤمنها سعر يبلغ 100 دولار».
«الآخرون» هم تحديداً أميركا الشمالية والاتحاد الروسي، على الرغم من أن «أوبك» تؤكد أن «القرار ليس موجهاً ضد أي بلد، لا الولايات المتحدة ولا روسيا».
كان قراراً استراتيجياً من «أوبك» في وجه تزايد إنتاج النفط الصخري من الولايات المتحدة. بحسب الأمين العام: «المشكلة هي أن السعر كان يتراجع سريعاً، لم نكن نعلم كم علينا خفض الإنتاج: مليون برميل؟ مليوني برميل؟ ولكن إذا استمررنا في خفض الإنتاج فسيرتفع السعر وسيحلّ الآخرون مكاننا عند السعر المرتفع! لذا قررنا الإبقاء على الإنتاج».
إنه قرار اقتصادي بحت من جانب وزراء المنظمة، بحسب أمينها العام. ولكن لا يُمكن تجاهل تداعياته السياسية، والأهم، الانعكاسات الاقتصادية على صناعة النفط الأميركية التي حلّقت أخيراً عبر تكنولوجيا استخراج النفط الصخري التي (كانت) ستجعلها المنتج الأول للنفط في العالم قريباً جداً.
وفقاً للبيانات الطازجة التي قدمها كبير الاقتصاديين في منظمة الطاقة العالمية، فاتح بيرول، فإن التأثير مباشر على الاستثمارات النفطية في أميركا. «نتوقع أن يتراجع الاستثمار في قطاع النفط والغاز في عام 2015 بنسبة 15%، أي بمئة مليار دولار، وسيكون للأمر انعكاسات على الإنتاج تظهر في عامي 2016 و2017، وآثار وخيمة، وإذا تزامن ذلك مع طلب قوي، فقد يكون هناك انعكاسات قوية على السوق وعلى الأسعار».
برأي هذا الخبير فإن «سعر 45 دولاراً للبرميل هو مؤقت، وقد نشهد ارتفاع الأسعار في نهاية العام». ويؤكد في الوقت نفسه أن تراجع الأسعار جاء نتيجة ارتفاع العرض من جانب البلدان خارج «أوبك» التي رفعت إنتاجها بواقع مليوني برميل يومياً «وهو الارتفاع الأكبر خلال 20 عاماً».
أما لناحية الطلب فهناك مجموعة أسباب أدت إلى ضعفه، أبرزها تباطؤ النمو في الصين وأوروبا واليابان. كذلك هناك تطوّر حرق الوقود بفاعلية (Fuel Efficiency) في قطاع النقل.




مصرف مركزي للنفط؟

شكّل اليوم الأول من مؤتمر دافوس منصّة مخصصة للجانب السعودي، والخليجي عموماً، لشرح رؤيته حول السوق النفطية وتراجع الأسعار. برأي مدير شركة «أرامكو» السعودية، خالد الفليح، فإن «عودة التوازن إلى السوق تتطلب بعض الوقت، وهي مسألة جيدة للمستهلكين».
وأكد الفليح أن تراجع الأسعار يجب ألا يؤثر كثيراً في مستويات الاستثمار «لأننا نخسر 5%-6% من الإنتاج الممكن سنوياً في حال لم نعمد إلى الاستثمار في إنتاج جديد».
وفي ما خصّ سياسة السعودية تحديداً، فهي «تستفيد من تراجع السعر لإجراء بعض التعديلات» بحسب الفليح. «نحن نحسّن استراتيجيتنا، إذ نركز على الغاز لتأمين الطلب للسكان، واستبدال السوائل، كما نستثمر في إنتاج المنتجات النفطية (Downstream). قد نخفض الاستثمار في بعض البرامح غير أننا نحافظ على قدرتنا للحفاظ على الإنتاج».
وتركز السعودية حالياً على إنتاج الغاز الصخري، «ونحن نترجم قصّة (نجاح) أميركا الشمالية (إلى مناطقنا) لأن النفط غير التقليدي سيكون أساسياً في مستقبل الإنتاج في السعودية».
يؤكد السعوديون بهذا الكلام أن النفط الصخري يُشكّل عصب الإنتاج في المستقبل، ولكنهم لا يريدون حالياً أن يستفيد منه الأميركيون ويطردونهم من السوق عند مستويات سعرية مرتفعة.
ولكن ما هو غير تقليدي في قطاع النفط حالياً هو اقتراح تقدم به مدير شركة «ENIا» الإيطالية، كلاوديو ديسكالزي، إذ شدد على «أننا نحتاج إلى مصرف مركزي للنفط في المستقبل وإلا فسندمر أنفسنا بهذا التأرجح، وبوضع السوق غير المستقر». برأيه، فإن إدارة النفط كونياً عبر هكذا مصرف تخفف المصائب التي تحل عليه، أو بالأحرى على الشركات التي تربح منه.