لقد بدأ الحديث عن 11 أيلول آخر مباشرةً بعد هجوم 7 كانون الثاني الذي استهدف مقرّ مجلّة «تشارلي إبدو». طبعاً، الفرق كبير في عدد القتلى، وهذا من الأمور القليلة التي نمتنّ عليها في يوم كهذا، لكنّ المقاربة تكاد تصحّ على الصعيد الرمزي. فبالتأكيد، أمر ما سيبدأ في فرنسا وربما في كلّ أوروبا، ومن شأنه جعل تاريخ «ما بعد 7 كانون الثاني»، علامة فارقة ترمز إلى اللحظة التي انقلب فيها كلّ شيء.


إلى أين؟ كيف سيكون شكل الأيام التي ستلي 7 كانون الثاني؟ كم نودّ أن تكون تلك الأيام مليئة بأخبار تجعلنا متفائلين أكثر على غرار التظاهرات التي عمّت فرنسا، وملأت المدن الكبيرة والصغيرة، تلك التظاهرات العفويةً والحقيقيةً التي شهدت مشاركة مواطنين من كلّ الآراء (والمعتقدات كافة)، أشبه بصرخة للقول «لا، ليس هذا!» بالرغم من أننا لا نعرف تماماً ما الذي يعنيه ذلك وما الذي يدافع عنه أولئك الأشخاص، إذ ليست الأمور عينها دائماً، ولكنها تكفي ليكونوا معاً، وهذا بحدّ ذاته مهمّ للحياة المشتركة في المجتمع. ردّة الفعل هذه، الشعبية والتلقائية بالرغم من أنها قد تفاقم الأمور أصدق بألف مرّة وتبعث على الأمل أكثر من كلّ الكلام الفارغ الذي يدلي به المسؤولون السياسيون والمثقفون والخبراء جميعاً بتعليقاتهم السريعة والسطحية.

لا يجوز أن نضع «الأسئلة التي
تغضبنا» جانباً
مجدداً
ولكن، هل ستدوم هذه اللحظة الجميلة طويلاً؟ الأسوأ قادم لا محالة مع اشتداد موجة الكراهية ضد الإسلام، والسمر، وفقراء العالم الذي يتدفقون «إلينا». إن هذا الأسوأ مخيف. فعلى ضفتَي المتوسط يعمّ الخوف، إنه الخوف من الغد حتى إن لم تكن الأسباب «الموضوعية» هي نفسها في الجهتين.
لقد كان التأثر حقيقياً في أوروبا، على الرغم من كثرة الأخبارالأخرى بعدما وصل اللاجئون السوريون بمعجزة إلى السواحل الإيطالية بحثاً عن غد أفضل. هذا الحزن لرؤية أولئك اللاجئين حقيقي، لكنه لا يستمرّ. فالبحث عن لقمة العيش في أوروبا التي تعاني أصلاً من أزمة ليس بالأمر السهل... يتزايد قلق نخجل التعبير عنه مع رؤية أولئك القادمين الجدد، ما الذي سيكون عليه غدنا مع كلّ أولئك العرب والمسلمين «وهناك أصلاً الكثير منهم»؟
عندما وصل اللاجئون السوريون إلى الموانئ الإيطالية، قالت وسائل الإعلام الأوروبية إنهم «يهربون من الحرب» و»يبحثون عن حلّ بعد الدمار الذي طاول بلادهم»، بدون التطرق بأي شكل من الأشكال إلى أسباب هذه الحرب ومسؤولية هذه الدولة أو تلك، بدءاً بفرنسا، بعدما فتكت الأزمة ببلد وتهدد بالتوسع في كلّ المنطقة.
بعد أولى خطوات الشفقة ورغم التضامن النادر، لم تطرح أي أسئلة حقيقية حول أسباب مثل هذه الكارثة أو غياب التوازن الفظيع بين عالم يبدو أنه يملك كلّ شيء، وعالم آخر يخسر كلّ شيء. فضّلنا أن نعلّق طويلاً على أخبار المهربين وأساليبهم المريعة، وتحميل المسؤولية مجدداً للطاغية البغيض، بطريقة تعفينا من عناء البحث أبعد.
غداة الهجوم على «تشارلي إبدو»، وبعد العواطف الصادقة التي عبّر عنها البعض والخطابات الطيبة لآخرين، لا يجوز أن نضع «الأسئلة التي تغضبنا» جانباً مجدداً، حتى لو أن ذلك يثير الخوف. لا يجب أن نسمح باستخدام حقيقة «الإرهابيين الإسلاميين» المروّعة كحجّة لنؤمن أنه في الجانب الآخر لا يوجد إلا «التسامح الغربي الرائع».
* مستعرب وباحث فرنسي - صاحب مدوّنة Culture et politique arabe