باريس ــ بسّام الطيارة

يدرك ساركوزي أن «الممانعة» لهذا القرض، الذي يمكن أن يكبل المواطنين الفرنسيين لسنوات طويلة، لم يعلن عن حجمها حتى الآن: «٥٤ في المئة من الفرنسيين يعارضون هذا الاقتراض، بينما يؤيده ٣٩ في المئة». ولكن كالعادة لن يقف ساركوزي أمام هذه التفاصيل، فهو، كما يقول أحد الخبراء، «مصمم على وضع اسمه أمام قرض كبير». إذ إن اللجنة المكلفة وضع أهدف استخدام هذا القرض، والمؤلفة من رئيسي الوزراء السابقين الاشتراكي ميشال روكار واليميني ألان جوبيه، قدمت تقريرها الذي تدعو فيه إلى الاكتفاء بـ ٣٥ مليار يورو. غير أنّ معظم المراقبين يؤكدون أن القرض يمكن أن يتجاوز ٦٠ مليار يورو، وهو ما يؤكده أيضاً خبراء عملوا في اللجنة.
وفي الواقع لم تحدّد اللجنة الرقم، لكنها حددت آليات الإنفاق، كما أنها امتنعت عن تحديد وجهات الاكتتاب: ما إذا كان مفتوحاً للمساهمة الشعبية والمواطنين أم مغلقاً محصوراً بالهيئات المالية وكبار المستثمرين من دول وصناديق استثمار.
إلا أنه حتى لو بقي القرض في حدود المبلغ المعلن عنه، فإنه يمثل نحو ١،٨ في المئة من الناتج المحلي الوطني الفرنسي، ما يمكن أن يرفع معدّل الدين إلى الناتج إلى 10 في المئة.
وسيؤثّر هذا الوضع على تقويم الثقة بمديونية فرنسا والذي هو اليوم «AAA» حسب أحد خبراء «Moody's» المتخصصة.
كذلك سيقود هذا القرض السلطات الفرنسية إلى اتخاذ إجراءات قوية لتحسين وضع الميزانية العامة، أي أنها ستكون «قرارات غير شعبية» لكل الفئات، وخصوصاً إذا كانت بصورة زيادة مكثفة للضرائب.
ولكن السؤال هو: لماذا هذا الاكتتاب، وخصوصاً أن منظمة التعاون أشادت بمتانة الاقتصاد الفرنسي الذي استطاع أن يقاوم آثار الأزمة المالية التي عصفت باقتصادات العالم؟
الجواب يأتي على شاكلة «٧ توصيات ـــــ برنامج» من لجنة روكار ـــــ جوبيه: ١٦ ملياراً ستخصّص للتعليم العالي والأبحاث، بينما تخصص ٤،٥ مليارات يورو لمشاريع حفظ البيئة تتضمن تحفيز المواطنين على تجديد مساكنهم. وسيُصار أيضاً إلى إطلاق مشاريع تحديث النقل لإنتاج سيارات نظيفة ودعم صناعة الفضاء بقيمة ٣ مليارات يورو. أما الصحة العامة فتشير الدراسة إلى ضرورة ألّا تقل حصتها من الاكتتاب عن ملياري يورو تخصص للـ«بيوتكنولوجيا»، بينما تطوير الـ«طاقات جديدة» يخصص له ٣،٥ مليارات دولار و4 مليارات تخصص لإعطاء نفس جديد للاقتصاد الرقمي، فيما حصة الشركات الصغيرة «المبدعة» ستبلغ ملياري يورو.
تجدر الإشارة إلى أنّه في ٢٤ آب ١٧٩٣، مباشرة بعد الثورة الفرنسية أُطلق «اكتتاب إجباري» لدعم مالية الجمهورية الجديدة، وقد «أُشرك» في القرض على نحو خاص الصناعات النسيجية.
وفي عام ١٨٧١ مباشرة بعد الحرب مع بروسيا، أطلق اكتتاب بـ ١٠ ملايين فرنك ذهبي لسد حاجات الخزينة ورفع أنقاض الحرب المدمرة. وفي عام ١٨٨٩ حثت الحكومة الفرنسية آنذاك المواطنين على الاكتتاب بما بات يعرف بـ«القرض الروسي»، إلا أن الثورة البولشفية جاءت لتقضي على آمال المكتتبين ولم تدفع تعويضات لهم أو لورثتهم إلا في عهد ألان جوبيه عام ١٩٩٦.
وبعد الحرب العالمية الأولى أطلقت الدولة الفرنسية اكتتاباً في الولايات المتحدة. وبعد الحرب العالمية الثانية في عام ١٩٥٢ طرح رئيس الوزراء أنطوان بينيه اكتتاباً شهيراً لدعم عملية تحويل الفرنك إلى عملة دولية.
الجنرال شارل ديغول أيضاً طرح اكتتاباً كبيراً في عام ١٩٦٠ لإطلاق مشاريع تجهيز فرنسا بالردع النووي ونهضة صناعة طيرانها الحربي والمدني. وفي عام ١٩٧٣ كان لجيسكار ديستان أيضاً اكتتاب بـ ٧٠٠ مليون فرنك، ومع وصول الاشتراكيين لم يتردد فرنسوا ميتران من اللجوء إلى 3 قروض كبرى.