بول الأشقر

في الأساس، اسمها سانتياغو دي ليون دي كراكاس. وكراكاس نسبة إلى الشعوب الهندية التي كانت تعيش هناك وقت تأسيس المدينة. أسوة بالكثير من المدن الأميركية اللاتينية، كراكاس في واد على انخفاض 800 متر، قريبة من بحر الكاريبي ومحاطة بجبال توفر لها دفاعات طبيعية. لذلك خصّها الإسبان بدور عسكري. موقعها يحميها من الغزاة ولا يحميها من الهزات التي تعرفها المدينة دورياً. ولادة سيمون بوليفار فيها عام 1783 حدث بارز في تاريخها.
في بداية القرن العشرين، كراكاس مدينة زراعية صغيرة مع وسط تجاري. في الثلاثينيات كان يسكن فيها 135 ألف نسمة. عرفت في الأربعينيات هجرة ريفية كثيفة وأيضاً هجرة أوروبية هاربة من أحداث الحرب ومن بؤس ما بعد الحرب. مع مجيء الديكتاتور ماركوس بيريز خيمينيز في الخمسينيات، تسارعت ورشة تحديث المدينة والاستثمار في البنى التحتية. وفي الثمانينيات، حولت مداخيل النفط المدينة، التي صار يسكن اليوم منطقتها الإدارية فقط أكثر من 3 ملايين نسمة، إلى نموذج للهندسة العمودية في أميركا اللاتينية.
الهندسة العمودية، حل اعتمده خيمينيز لاستئصال الأحياء الفقيرة غير الشرعية المنتشرة على التلال الغربية داخل المدينة. بوحي من أفكار لي ـــــ كوربوسييه، شُيدت 9 آلاف شقة موزعة بين 38 «بلوكو» (كتلة) من 15 طبقة، وكل «بلوكو» فيه 150 أو 300 أو 450 شقة، وتحيط بها 42 كتلة صغيرة من 4 طبقات.
لم يقض المشروع على الأحياء الفقيرة، لأن النفط جعل من كراكاس مدينة لا تكف عن إعادة إنتاج هجرتها الريفية، لكنه أصبح نموذجاً أعيد استخدامه في مناطق عدة من العاصمة، حيث تنشأ باستمرار أحياء جديدة غير شرعية على التلال المجاورة.
وهكذا من «رانشو»، الحي غير الشرعي الذي ينشأ إلى جانب «باريو»، أخذت تمتلئ كل الجبال والتلال ـــــ ما عدا تلك المحصورة بالأغنياء ـــــ المحيطة بالمدينة التي تخطت حدودها مكونات موقعها الأصلي. مثلاً، يتذكر هكتور إسكوبار «التليفريك الذي كان معلماً سياحياً في الخمسينيات ينتقل من تلة إلى تلة، وصار بالفعل اليوم خطاً من خطوط المترو الجوي الذي يربط الأحياء الفقيرة».
مع سقوط خيمينيز، صار اسم الحي «23 كانون الثاني». وأصبح نموذجاً معروفاً لهذه المجالات المدينية الشعبية: موقع مسيس في محطات البلد الأساسية وينتج ثقافة بديلة قوامها تسيير أمور الحي، وخصوصاً عندما تتقلص مداخيل النفط وينساه باقي المدينة.

قرر تشافيز الاستثمار في الأحياء الشعبية من خلال التعليم والتموين والصحة
عرف هذا الحي وغيره من الأحياء التي تشبهه، انعطافة جديدة مع تشافيز عام 2003، بعد انهيار الناتج القومي نتيجة إضراب النفط وتوابعه. قرر تشافيز الاستثمار في الأحياء الشعبية من خلال التعليم والتموين، وخصوصاً الصحة. بالتنسيق مع الكوبيين، أُنشئ 1600 مركز طب احترازي يسكنه طبيب (عادة كوبي)، في مقدمة لمشروع صحة عامة شاملة. على صعيد التعليم، أبرز إنجاز هو محو الأمية من فنزويلا خلال فترة سنتين، أيضاً بالاعتماد على منهج كوبي. وفي مجال التموين، توفير مراكز جوالة أو ثابتة لبيع المواد الغذائية الأساسية بأسعار مدعومة. مثّلت هذه التغييرات تحسينات أساسية في الأحياء التي دخلت إليها وأسهمت في تراجع لافت لنسب الفقر فيها، من دون إخفاء أنه في فترات صعبة كالتي تعيشها حالياً فنزويلا، تظهر محدوديته إذ لم يكتمل انتشاره الجغرافي وتتعثر صيانته الدائمة، فضلاً عن تدهور مجالات أخرى «غير محظوظة» من القطاع العام. هنا القلب النابض للتشافيزية. هنا، إلى جانب التقديمات الاجتماعية، شعار تشافيز ـــــ «باريو إدينترو» ما يعني الحي من الداخل ـــــ ولّد ثورة ثقافية أدخلت عالماً بأكمله كان يعيش الإقصاء في حراك قوامه شعور الناس بأنهم مهمون مثل غيرهم. «بلى، يومها كل شيء تغير»، يؤكد غوستافو بورجيس، أحد الفاعلين في مجلس الحي، وهو أداة جرت شرعنتها عام 2006 كجزء من «السلطة الشعبية» الناشئة التي خلقت نمطاً جديداً للتعاطي بالسياسة. لجنة منتخبة من نحو 25 شخصاً من سكان الحي ـــــ لها حق متابعة شؤون الحي وعليها العودة للقاعدة للتقرير ـــــ تمثل عادة بين 200 أو 300 عائلة وتؤدي دور محاور لكل السلطات وتعرض مشاريعها للسلطة التنفيذية.
واليوم؟ المجالس مكان صراع على النفوذ مع الدولة بسبب قدرتها على التمويل أو عدمه، وبين الأحزاب الموالية والمعارضة، وبالرغم من الإحباط الحكومي والخطابي ـــــ للمناسبة لا يطال تشافيز الذي لا يزال يحتل خيال الناس ـــــ تبحث الأحياء عن وسائل الدفاع عن استقلاليتها من خلال إيجاد أطر تنسيقية بينها تسمح بالالتفاف على توزعها الجغرافي، حسبما يؤكد غوستافو بتفاؤل.


عرب تشافيز
يعتمد تشافيز على جيل جديد أربعيني أو أكثر بقليل من الفنزويليين من أصل عربي الآتين من النضال الطلابي: وزير الزراعة إلياس حوا الذي يشغل منذ أشهر منصب نائب رئيس الجمهورية، وزير الداخلية طارق العيصمي الذي بعكس زملائه ينطق بالعربية. إدواردو سمّان الذي عمل وزيراً للتجارة حتى شباط الماضي ويترشح الآن للنيابة. أيضاً الأستاذ الجامعي أيمن طرودي الذي عمل مديراً لمكتب الرئيس تشافيز عامي 2005 و2006 ووزيراً للتصميم خلال عامي 2008 و2009.