strong>أرنست خوري

كان صعباً حتّى على أشدّ المتحمّسين لرئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان أن يدافعوا عن زعيمهم حين هدّد بطرد 100 ألف عامل أرمني فقير يعملون في تركيا، إلى جانب 70 ألف مواطن تركي من أصول أرمنية. كان صعباً على هؤلاء تبرير كيف أنّ الرجل، الذي يكرّر صبح مساء أنّ القيم الإنسانية قبل المصالح هي الموجّه الأول لسياساته، تمكّن من إقحام عشرات الآلاف من العمال المستغلّين في مهن وقطاعات تركية هي بأمسّ الحاجة إليهم، وبأجور زهيدة للغاية وفي ظروف حياتية صعبة، في ملفّ معقّد، لا علاقة لهم به، كإقرار لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي، والبرلمان السويدي، قانوناً يعترف بـ«إبادة» الأرمن على يد العثمانيين في عام 1915.
واحتلّ تهديد أردوغان للعمال الأرمن و«ابتزازهم»، صدارة السجال الإعلامي والسياسي في تركيا طوال الأيام الماضية. أسبوع تخلّلته محاولتان من أردوغان للتخفيف من الضرر الذي ألحقه موقفه بحق صورته وسمعته. في المرة الأولى، حاول أردوغان، أمام نواب حزبه «العدالة والتنمية» كعادته، قلب التهمة وتوجيهها إلى وسائل الإعلام التي «حرّفت كلامي وانتزعته من سياقه». لم تنفع الحجّة، وسط تصاعد دعوات كتاب افتتاحيات الصحف ومنظمات حقوق الإنسان لأردوغان، للاعتذار رسمياً من الأرمن. وجد رئيس الوزراء أنّ مجرى الحملة يتّخذ طابع كرة الثلج مع تنظيم تظاهرة ضده في وسط ساحة الاستقلال في الجزء الأوروبي من إسطنبول، في ظل انعدام جدوى تدخّل رئيس الجمهورية عبد الله غول لنجدته وتبرير موقفه والتخفيف من وطأته، فاضطر «الطيب» إلى الظهور، يوم السبت الماضي، ليسحب كلامه. لم يعتذر الرجل، الذي يجسّد اليوم «الكرامة الوطنية التركية المجروحة» من قانوني واشنطن واستوكهولم، بل ببساطة، جزم بأنه لن يطرد أي أرمني يعيش بطريقة غير شرعية من تركيا حالياً. اضطر إلى فعل ذلك من دون شك، وذلك بعد لقائه عدداً من الفنانين الأتراك الذين طمأنهم إلى أنه لا خطط لديه لطرد المئة ألف أرمني من بلاده.
وبالعودة إلى حرفية الكلام، الذي تناول فيه أردوغان العمال الأرمن في تركيا، تظهر صعوبة تبرير كلامه من أنصاره، بما أنها كانت مواقف لا تترك مجالاً للتأويل. حتى الصحيفة الأقرب إلى حكومته، «توداي زمان»، نقلت التصريح مثلما قاله لشبكة «بي بي سي ـــــ الخدمة التركية» يوم الثلاثاء الماضي: «المهاجرون الأرمن في دول العالم مسؤولون عن إقرار قوانين الإبادة. إذا كان ضرورياً، فسأقول لهؤلاء الأرمن الذين يعيشون بطريقة غير شرعية في تركيا، ويتجاوز عددهم 100 ألف، عودوا إلى بلادكم لأنكم لستم مواطنين لنا. ليس عليّ أن أبقيهم في بلدي».
كلام واضح لا مجال لتأويله كثيراً، بما أنه يحمل ما يكفي من ابتزاز لهؤلاء الفقراء في السياسة الخارجية التركية، وفق إجماع عدد كبير من الصحف ووسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان التركية. «إهانة» لا يمكن أن تُمحى إلا باعتذار لا لبس فيه، حسب كاتب افتتاحيات صحيفة «راديكال» سنغيز شندار.
وحين أراد أردوغان تبرير أقواله، «زاد الطين بلة»، إذ اتهم وسائل الإعلام فقط بأنها حرّفت كلامه من ناحية الادعاء أنه هدّد أيضاً الأتراك من جذور أرمنية البالغ عددهم نحو 70 ألف مواطن، فيما أصرّ على أن تهديده اقتصر على الأرمن الذين يعيشون بطريقة غير شرعية في تركيا. بكلام آخر، جدّد رئيس الحكومة تهديده، ما أدّى إلى تدخّل غول، مهندس سياسات التقارب مع الأرمن، التي أفضت إلى توقيع بروتوكول السلام معهم في سويسرا العام الماضي، ليشير إلى أن كلام رئيس وزرائه هدف إلى إظهار «درجة تسامح الحكومة مع الأرمن»، ومطمئناً إلى أنه «لا عداء للأرمن في تركيا». صيغة مكرّرة لما دافع به أردوغان عن نفسه، عندما ذكّر بأنّ حكومته هي الأولى في التاريخ الحديث لتركيا التي تنفتح على الأقليات وتحاول تحسين أوضاعهم، في تلميح إلى «خطة الانفتاح الديموقراطي» التي أرادت الحكومة من خلالها تسوية أزمة أقلياتها التي يتقدمها الأكراد.