عمدت روسيا مع صعودها الأخير إلى نسج العديد من العلاقات مع دول المنطقة، جعلتها رقماً صعباً في القضايا ذات الصلة. روسيا اليوم رقم صعب، لكنها لا تزال دون الدور الذي كان يؤديه الاتحاد السوفياتي. ملفّ الشرق الأوسط وعملية التسوية يأتيان في مقدمة قضايا المنطقة، وروسيا عضو في اللجنة الرباعية الدولية، لكن صوتها لا يزال أقل تأثيراً من نظرائها


ربى أبو عمو
اكتفى الرئيس السوفياتي الأخير ميخائيل غورباتشوف بالمشاركة في مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991، كضيف شرف، من دون أن يكون له أي دور حقيقي في تحديد استراتيجية بلاده الخاصة حيال هذه العملية. حينها، قال بعض المحللين إن روسيا تخلّت عمّا سمته «المسافة المتساوية» من أطراف الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي، وإن مال خط المساواة هذا إلى مصلحة العرب في فترة نفوذها القصوى في منطقة الشرق الأوسط.
مرحلةٌ كانت بمثابة الإعلان الصريح عن انتهاء الدور الروسي في المنطقة، وإن لا تزال هالة وجوده قائمة. شُغلت روسيا بترميم الآثار الجمة التي نتجت من انهيار الاتحاد السوفياتي، وفشل الرئيس الروسي بوريس يلتسين في إدارة البلاد، إلى أن جاء فلاديمير بوتين رئيساً. بعيداً عن نجاح الأخير أو عدمه في تحقيق الإصلاحات الداخلية في بلاده، إلا أنه نجح في إعادة بعض الهالة الروسية. وهو الذي أعلن رغبته في إعادة روسيا إلى الساحة العالمية.
حين تسلّم ديمتري مدفيديف الرئاسة، مثّل مع رئيس الوزراء بوتين ثنائياً تابع تكريس هذه الهالة. وفي منطقة الشرق الأوسط، أعادت روسيا صداقاتها مع بعض الدول، في مقدمتها سوريا، فيما استحدثت شراكة مع كل من إيران وإسرائيل. تفاصيل أكثرت الحديث الإعلامي والسياسي عن عودة روسيا إلى الشرق الأوسط. ووصل الحديث إلى القمة على خلفية دعوة روسيا، على لسان مدفيديف ووزير الخارجية سرغي لافروف، إلى عقد مؤتمر دولي للسلام في موسكو، استكمالاً لمؤتمر أنابوليس الذي عقد في 27 تشرين الثاني من عام 2007، للغاية نفسها. كان ذلك في عام 2008. بدا التحضير لهذا المؤتمر جدياً وفاعلاً على الأرض، من خلال لقاءات مع قادة الدول، فضلاً عن التصريحات التي ملأت وسائل الإعلام.
هدفت روسيا من خلال الدعوة إلى مؤتمر موسكو إلى مقارعة واشنطن، واسترجاع نفوذها التدريجي في منطقة الشرق الأوسط والنزاع الفلسطيني ـــــ الإسرائيلي. ويقول المحللون إن «عدم رغبة روسيا في التخلي عن هذا الاقتراح يدل على أهميته الرمزية بالنسبة إلى الدبلوماسية الروسية».
لم ينعقد المؤتمر حتى اليوم. ولم تكن روسيا قادرة على إيقاف حرب غزة بنفوذها، وإن أدانت الهجوم الإسرائيلي. وخلال الحرب الإسرائيلية على لبنان في تموز عام 2006، اكتفت أيضاً بالإدانة. أمورٌ تطرح تساؤلات عن دور روسيا الحقيقي في المنطقة.
وفي مؤتمر نظمه نادي «فالداي» الدولي عن دور روسيا في الشرق الأوسط، ومدى إمكان إحلال السلام في الشرق الأوسط، لم يطرح رئيس الوزراء الروسي السابق، الخبير في الشرق الأوسط، يفغيني بريماكوف، أي استراتيجية واضحة يمكن روسيا من خلالها أن تسهم في إيجاد حل ما. حتى «الأخطبوط» الروسي (بريماكوف) لم يقد رؤية للحل.
هذا الأمر يشير إلى أن الحديث عن دور روسي في المنطقة، على الأقل في الوقت الحالي، لم ينضج بعد. صحيح أن روسيا دولة كبرى، واستطاعت في مرحلة من المراحل أن يكون نفوذها العملاني في المنطقة موازياً للولايات المتحدة، إلا أن الأمر تغير اليوم بعدما أسقطت روسيا هذه المنطقة من سلم أولوياتها. وإن لم تعلن ذلك الانسحاب يوماً، بل على العكس، لا تزال تسعى إلى الحفاظ على جسر التواصل الذي كانت قد أنشأته، تمهيداً للمرحلة التي ستتطلب جهوزية هذه العلاقات. وهذا الإعداد إلى جانب المصالح، يتضمن إحياء القاعدة العسكرية في طرطوس في سوريا، وبناء مفاعل بوشهر النووي في إيران، والدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للسلام في موسكو.
الشرق الأوسط ليس أولوية حاليّاً بالنسبة إلى السياسة الروسية الجديدة، لكن هذا لا يعني التخلّي عن طموح أداء دور أساسي في أحداثه، ولا سيما أنه هدف للإمبراطورية الروسية منذ ما قبل الثورة البلشفية.
هدف بدأ يرتسم في القرن السابع عشر، حين بدأ البحث عن «المياه الدافئة». حينها نظر شاب روسي للمرة الأولى إلى البحر المتوسط، وأخذ يحلم بالسباحة هرباً من صقيع بلاده. هو القيصر بطرس الأكبر. قال لمستشاريه ومعاونيه، بعدما تسلم الحكم عام 1682، إن روسيا دولة أوروبية، فلنجعلها أوروبية فعلاً. قبل أن يكتشف أن مضيق «أرشانجل» على البحر الأبيض في الشمال هو الرابط الوحيد مع أوروبا، إلا أنه يبقى مقفلاً طوال أيام السنة. كان خياره في طريقين: بحر البلطيق نحو الغرب. البحر الأسود، ومنه إلى البوسفور والدردنيل نحو الجنوب، وصولاً إلى البحر المتوسط.
هذا الحلم واجه تخبطاً وحروباً. وكانت الثورة البلشفية حيث انصرف القادة إلى الداخل لوضع أسس الدولة الجديدة. لم تكن منطقة الشرق الأوسط، في ذلك الوقت، محل اهتمام للاتحاد السوفياتي.
في 27 أيلول من عام 1955، أعلن الرئيس المصري جمال عبد الناصر، في خطاب تاريخي، إتمام صفقة أسلحة بين مصر وتشيكوسلوفاكيا. ورأى الاتحاد السوفياتي الصفقة «آية من آيات دهائه في بدء عهد جديد بينه وبين مصر».
حينها، قالت صحيفة «التايمز» البريطانية إن «هذه الصفقة هزت الدبلوماسية الغربية بقوة. وبدأ الغرب يخسر المعركة في الشرق الأوسط». أما صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فأعلنت أن «سير الأمور على هذا النحو يخلق أمام الولايات المتحدة مصاعب حقيقية، لم تعرفها منذ الدخول إلى المنطقة».
وإثر العدوان الثلاثي على مصر في تشرين الثاني من عام 1956، أنذر الرئيس السوفياتي نيكيتا خروتشيف «بضرب لندن وباريس بالصواريخ إذا لم تنسحب القوات الفرنسية والبريطانية». وبعد نحو تسع سنوات، مثّلت حرب حزيران فرصة لدخول القوات السوفياتية الحربية إلى المنطقة، ليصبح المتوسط خاضعاً لنفوذ الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ولم يكن دخول السفن السوفياتية إلى المتوسط دخولاً عسكرياً فقط، بل كان حلقة جديدة ومهمة من الاستراتيجية السياسية السوفياتية في العالم العربي.
هنا كانت الذروة، قبل أن تعود الأحداث التاريخية لتغير تسلسل النفوذ السوفياتي، وصولاً إلى انهيار الاتحاد.
سياسة اليوم أعلنها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لصحيفة «برافدا» الروسية بالقول إن «السياسة الروسية ليست موالية للعرب أو لإسرائيل، بل تهدف إلى ضمان مصالح روسيا القومية، والحفاظ على علاقات جيدة مع الدول العربية، على رأسها إسرائيل».
هذا القول يعكس منطق المذهب البراغماتي لروسيا الجديدة والحسابات الاقتصادية. وجوهر هذه الحسابات أن منطقة الشرق الأوسط ليست في أولوية الاهتمام، رغم أنها تمثّل موقعاً استراتيجياً للنفوذ الروسي. ورغم اعتبار روسيا دولة متخصصة في الشرق الأوسط، إلا أنها تفتقد استراتيجية طويلة الأمد، تحقق لها مركزها بوصفها دولة عظمى.


السياسة الروسية ليست موالية للعرب أو لإسرائيل، بل تسيّرها المصالح

روسيا تقول إن دورها لا يزال مهماً كي لا ينساها العرب
في هذا السياق، يقول إيفان كروشكوف، الصحافي في محطة «روسيا اليوم» التلفزيونية، إن «الشرق الأوسط ليس ضمن أولويات الاتحاد الروسي. والسبب هو مشاكلنا الداخلية الكثيرة التي تحتاج إلى حلول سريعة»، موضحاً أن «المهمة الرئيسية هي إقامة أو استعادة العلاقات بين روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق».
الأولوية أيضاً هي للعلاقات العلاقات الروسية ـــــ الأميركية، تليها الأوروبية. بالنسبة إلى موسكو، من المهم إقامة علاقات اقتصادية وسياسية قوية مع أميركا وأوروبا. وزاد كروشكوف أن ذلك هو تمهيد «لقيام بديل للكتلة الأوروبية الأطلسية».
من جهة أخرى، يشرح كروشكوف أنه «لا سياسة روسية واضحة في المنطقة. الكرملين لا يملك استراتيجيا أو أفكاراً جديدة. موسكو فقدت نفوذها في المنطقة حتى قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، ما يعني أن استعادته ليست بالأمر السهل». وأضاف أن «روسيا لا تملك القوة الكافية لتلبية توقعات الكثير من الناس في العالم العربي. الشيء الوحيد الذي يمكن أن تفعله روسيا هو أن تقول إن دورها لا يزال مهماً في الشرق الأوسط، حتى لا ينساها العرب». وتابع: «دعونا نكن صادقين. تأثير روسيا في المنطقة اليوم ضئيل جداً، لأنه ليس لديها ما تقدمه». أما في ما يتعلق بالمقارنة بين دور كل من الاتحاد السوفياتي وروسيا في الشرق الأوسط، فلا بد من الإشارة إلى أن «العالم كله تغير بعد الانهيار. لذا، لا أساس للمقارنة، لا لأنهم مختلفون تماماً لناحية تكوين البلاد، بل أيضاً بسبب الوضع الجغرافي السياسي».


أسباب الاهتمام

يرى المتخصص في الشأن الروسي ديمتري ترينين أن الشرق الأوسط مهم بالنسبة إلى روسيا للأسباب الآتية:
أولاً: تبعد العاصمة الشيشانية غروزني نحو 600 ميل عن الموصل في العراق.
ثانياً: سهولة عبور الأفراد الذين ينتمون إلى جماعات متطرفة من منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة شمال القوقاز الروسية، ودول وسط آسيا.
ثالثاً: تسعى روسيا إلى منافسة الولايات المتحدة، وهي التي ثبّتت وجودها في المنطقة عسكرياً في كل من العراق وأفغانستان.
ويقول ترينين إن «روسيا تسعى إلى بناء حلف يمتد من جنوب القوقاز، بحر البلطيق، وصولاً إلى وسط آسيا، أي شمال منطقة الشرق الأوسط».
(الأخبار)