أرنست خوري

ليس غريباً أن تكون كرة القدم، بما هي الرياضة الشعبية الأولى في العالم، مصدر مشاكل تتخطّى دائماً الحيّز الرياضي، وتطال المستويات السياسية والمالية. لكن، أن تصل الأمور إلى حدّ اعتبار سقوط إو إسقاط فريق كرة قدم إلى الدرجة الثانية، بمثابة حدث قد يهدّد الأمن القومي لدولة كتركيا، فهو من الأمور النادرة التي تفيد بحقيقة واحدة: الوضع ليس على ما يرام أبداً في هذا البلد.
نادي «ديار بكر سبور» هو الممثل الأول لكرة قدم أكراد تركيا في دوري الدرجة الممتازة. هو مهدَّد حالياً بالسقوط إلى الدرجة الثانية، ليس فقط لأنّ نتائجه سيئة (نقاطه تبلغ 21 من أصل 23 مباراة لعبها، علماً بأن الدوري التركي يتضمن 34 مرحلة)، بل أيضاً لأنّ «مؤامرة خبيثة تستهدف الأكراد حتى في الرياضة»، حسب ما تؤكّده رواية أنصاره.
لكن يبدو أنّ إسقاط هذا الفريق إلى الدرجة الثانية، أمر ممنوع ببساطة. فحصول هذا السيناريو «قد يؤدّي إلى القضاء على جهود مكافحة الإرهاب»، على حدّ تعبير رئيس هيئة أركان الجيش إلكر باسبوغ. نعم، حتى باسبوغ وجد نفسه مضطراً إلى التدخل في شأن رياضي متواضع، شأنه شأن زعماء معظم الأحزاب التركية، حتى المعارِضة لسياسات حكومة رجب طيب أردوغان الساعية إلى إرضاء الأكراد بعدد من المكاسب في إطار «خطة الانفتاح الديموقراطي».
والنادي الكردي معرَّض لا للسقوط إلى الدرجة الثانية، بل للإسقاط. فقانون كرة القدم في تركيا ينصّ على إنزال أي فريق إلى الدرجة الثانية، بمجرّد تعرّضه لـ«العقوبة الانضباطية» في مباراتين متتاليتين، أي إما في حال تغيّبه عن مباراتين، أو إذا أوقف الحكم مباراتين متتاليتين وأعلن الفريق المقابل رابحاً بنتيجة ثلاثة لصفر. والحالة الثانية هي الحاصلة مع «ديار بكر سبور»، الذي أنهى الحَكَم مباراتيه الأخيرتين، بسبب أعمال شغب أحدثها جمهوره في المدرّجات. من هنا، يرى الأكراد أنّ هناك عناصر مندسّة افتعلت الشغب لتبرّر معاقبته، بينما يرى مناوئوهم أنّ الفريق مسؤول عن مشجّعيه «المخترَقين من قبل أنصار حزب العمال الكردستاني الإرهابي الذين سبّبوا إشكالات أمنية».
اليوم، سيبتّ الاتحاد التركي مصير النادي المذكور، على ضوء عدد من التحذيرات السياسية والعسكرية. فقد قال دنيز بايكال، رئيس أكبر أحزاب المعارضة «الشعب الجمهوري»، إنّ الأمر «بات يتعدّى إطار الحادث العادي. ورغم أنّ هناك هويات قومية مختلفة، من مسؤوليتنا العمل للحؤول دون تحوّل مباريات كرة القدم إلى ساحات معارك إثنية». كلام زاد عليه دولة بهشلي، زعيم حزب «الحركة القومية التركية» اليميني المتطرف، بالتشديد على «ضرورة إبقاء ديار بكر سبور في الدرجة الممتازة، لأنّ ذلك شرط لا بدّ منه لإبقاء وحدة الأراضي التركية، وتعايش القوميات التركية المختلفة والاحترام المتبادل».
بدوره، تدخّل وزير الزراعة التركي مهدي أكر لمصلحة «ديار بكر سبور»، عندما جزم بأنه «لا يمكن معاقبة فريق بكامله ومحافظة برمّتها على سلوك بعض المندسّين ممّن يعملون على التسبّب بالأذى لهذا الفريق الرياضي». كذلك كانت حال رئيس الكتلة النيابية للحزب الحاكم، «العدالة والتنمية»، عبد القادر أكسو، الذي حذّر من تداعيات إسقاط النادي الكردي إلى الدرجة الثانية، بما أن هذا الفريق «هو الممثل الوحيد لأكراد تركيا في الدوري الممتاز، وإقصاؤه سيعني إقصاء الأكراد».
وبدا أنّ الاتحاد التركي لكرة القدم فهم مدى خطورة الأزمة، فقال نائب رئيسه لطفي أريبوغان لصحيفة «توداي زمان»، التي نشرت موضوع الأزمة الكروية على صفحتها الأولى، أمس، إنّ الاتحاد سيقرر اليوم الجمعة مصير النادي، مطمئناً إلى أنّ الاتحاد سيحدّد الموعد المقبل لمباراة «ديار بكر سبور»، ما يعني ضمناً أنه سيبقى في الدرجة الممتازة.