يخرج ألفارو أوريبي من الحياة السياسية بعد أشهر. أو بالأحرى، يخرج من الرئاسة ولا يحق له العودة إليها. هل تستمر «الأوريبية» من دون أوريبي، الرجل الذي تفوق شعبيته شعبية أي سياسي آخر؟ بالرغم من عمق التغييرات التي أحدثها، كولومبيا الآن على عتبة حقبة جديدة مجهولة المعالم، تبدأ بانتخابات رئاسية، حتى أوريبي غير قادر على ضمان نتائجها


بول الأشقر
يرفض لويس باز زغبي (حسب التقليد الإسباني، الاسم الأول للأب والثاني للأم)، وهو شاب يدرس علوم الحاسوب، الرهان على ماهية قرار المجلس الدستوري: «كأنك تنوي معرفة نتيجة مباراة كرة قدم قبل إجرائها». ولكنه يعلم ماذا يريد منه، «إبعاد أوريبي لأنه ابن الحرب... الحرب أتت به إلى السلطة، وهو يحتاج إليها ليتأبّد في السلطة»، ويذكّرك بأن والدته أتت من لبنان بعد جولة الحرب اللبنانية عام 1978.
في الواقع، جسّدت ظاهرة انتخاب أوريبي تكسّر الثنائية الحزبية: فجّر أوريبي حزبه الليبرالي «الذي ولّد في صفوفه وخارجها كل أنواع الأطياف السياسية من يمين الباراميليتاريس إلى اليسار التشافيزي»، بحسب ما يوضح المحامي سيرفيو أنجيل كاستيخو الذي ترعرع في الحزب الليبرالي. ثم اقترب أوريبي من القطب الديموقراطي البديل اليساري، واستخرج منه مجموعتين مواليتين ضمّهما إلى الحزب المحافظ اليتيم الذي استقطبه لاستكمال أكثريته النيابية.
«قد تستعيد الآن الأحزاب التقليدية شيئاً من رونقها الماضي ولكن لا محال، لن يلخّصوا بعد اليوم الواقع الكولومبي. ما يعني أن ورشة الانتظام الحزبي باقية. أصلاً، هي مفتوحة منذ نصف قرن وحقبة الجبهة الوطنية (1958ـــــ1974) حين قرر الحزبان تداول الرئاسة وتقاسم المقاعد مناصفة في الكونغرس، وهي لم تكن إلا لتوفير فترة تنفّس اصطناعية إضافية لها»، يضيف كاستيخو. «إنه أعاد الاحترام إلى الدولة. وإذا أجيز له الترشّح، فسأقترع له مرة أخرى من دون تردّد، لأنه السياسي الوحيد الذي لا يساير. والرجل قام بما وعد به».
تحبّه أو لا، الرجل ـــــ ألفارو أوريبي ـــــ يترك عند أكثرية مواطنيه صورة تلتصق بـ«الدولة القوية»، وهي بالنسبة إلى رأي عام يتخطّى «الأوروبية» السياسية معطى إيجابي.

ألفارو أوريبي يترك عند أكثرية مواطنيه صورة تلتصق بـ«الدولة القوية»
يدور بي سائق التاكسي إيفان في شوارع بوغوتا الباردة في الليل. نحن في إحدى أعلى عواصم العالم (2700 متر)، وبالرغم من ذلك أينما نظرت تحيط بك جبال شامخة. ونحن بالتأكيد في أكبر تلك العواصم بعدد سكانها (أكثر من سبعة ملايين).
«سانتا في دي بوغوتا»، التي اختُصر اسمها بعد الاستقلال ببوغوتا. كانت تمثّل، منذ بداية القرن الثامن عشر، مع مكسيكو وليما إحدى عواصم الإمبراطورية الإسبانية في أميركا. بعد الاستقلال، صارت طبيعياً عاصمة كولومبيا الكبرى، وبعد الانفصال، بقيت العاصمة.
إيفان، الذي لعب ظهيراً أيمن في الستينيات في فريق سانتا في أحد فريقي العاصمة، لا يتقن التحليل السياسي المفذلك، ولكن لحججه المستمدة من الحياة اليومية وقعها المقنع: «حتى هنا في بوغوتا التي لا تحبه (بوغوتا أكثر يسارية من معدّل البلد)، اسأل معارضيه إذا كانوا يفضّلون الوضع كما كان قبل مجيئه؟». إن الأرقام لمصلحة إيفان ولمصلحة أوريبي في جردة لآخر ثماني سنوات: تدنّي عمليات الخطف، تدنّي الجرائم، تدنّي وقع الحرب على المقيمين في العاصمة وفي المدن عموماً.
وفي إحدى المرّات، قال لي أحد أنصار أوريبي المحنكين، الذي يعرف سمعته السيّئة في هذا المجال: «أضف أيضاً تدنّي خروق حقوق الإنسان وتدنّي عدد المجازر».
تقول مجلة «سيمانا»، التي بقيت منبراً مستقلاً خلال سنوات أوريبي، إن «أي رئيس كولومبي كان على الأرجح قد لجأ إلى اليد الحديدية مع الفارك بعد الإهانات المتتالية التي تلقّتها الدولة، وباسترانا في المناسبة هو الذي بدأ الحرب. ما أضافه أوريبي هو الأدلجة اليمينية لشؤون البلد بدءاً بالحرب والسلم». وعمّم مواقفه العقائدية هذه على الاقتصاد والسياسة الخارجية، متبنّياً أولويات جدول أعمال جورج بوش الابن الخاصة، وصولاً إلى المسائل المجتمعية، مثل إخضاع الدولة الضمني للدين وتجريم صغار مستهلكي المخدرات، عكس التيار في العالم.
أياً كان الفائز في الانتخابات الرئاسية ـــــ حتى لو كان خوان مانويل سانتوس، وزير دفاع أوريبي الذي قيل عنه إن مواقفه في الحرب كانت أكثر تشدداً من معلمه ـــــ يمكن التكهّن بأنه لن يتشبّث بالجانب العقائدي المرتبط بشخصية أوريبي، «تقمّص دور المنقذ الرسولي المستعد للشهادة من أجل قناعاته»، توضح كوسويلو لوبيز.
هذه الاعتبارات لا تهزّ قناعات إيفان، الذي يفضّل اللجوء إلى تمييز معهود لدى مواطني أي حكم سلطوي: الحاكم معصوم. أما الحاشية فمادة محللة للانتقاد.
أصل إلى منزل خورخي سواريز غافيريا، أستاذ في العلاقات الدولية ومن نخبة بوغوتا التي لا تخفي ازدراءها لظاهرة «لا تستقيم إلا بمحو الوعي أو تشويهه». «مجرد تسمية الحركة بالأوريبية تدلّ أنها نتاج تأزم الثنائية الحزبية الكولومبية (ليبرالي ـــــ محافظ) وانفجارها إلى ظواهر مصلحية. ولكن الأهم من ذلك أنها نقطة الذروة في مشاكل متراكمة منذ عقود، أبرزها هيمنة النخب المناطقية على حساب الدولة الضعيفة واستمرار وجود مجموعات كفاح مسلح ماركسية وظهور الباراميليتاريس وتعمّق تمركز الغنى بنتائجه الاجتماعية المزرية، وخصوصاً «لعنة» ري كل ما سبق بمال المخدرات. صعود شبكة المخدرات اجتماعياً ومشروع الباراميليتاريس سياسياً آتيان من العلاقات التي نسجت في القاعدة وفي البلدات والمحافظات، قبل أن تحلم بالسلطة الوطنية. انتخاب ألفارو أوريبي والتمديد له عبّرا عن صعود هذه الفئات الاجتماعية، لا بحكم الحراك الاجتماعي بل من خلال تشريع اللاشرعية والإجرام. بهذا المعنى، ما يهمّها هو إعادة الانتخاب الفورية لا غير، لعدم انقطاع مسارها التصاعدي».
«اللعنة» التي يتكلم عنها سواريز هي دخول المخدرات (رمزها الأكبر بابلو إسكوبار) في الثمانينيات لاعباً أساسياً ـــــ البعض يقول «اللاعب الأساسي» ـــــ، وتغلغلها في كل ثغر الدولة والمجتمع والاقتصاد.
يقول سواريز هذا الكلام القاسي عشية قرار المجلس الدستوري، ويعرف كيف تسير الحياة السياسية ـــــ أو الحياة بأكملها ـــــ في حالة انتظار. حتى الانتخابات التشريعية المحددة التي جرت الأحد الماضي، مرهونة بقرار المجلس، وبالتالي بوجود أوريبي أو بغيابه.
سيكون غائباً. هكذا قرر المجلس الدستوري، والكل رضخ. القضاء أدّى دوراً ـــــ البعض يقول إن الفضل يعود إلى دستور عام 1991 ـــــ أساسياً في موازنة أوريبي، بعدما حاول هذا الأخير التحرّش به. قبل ذلك، كان قد أوكل إليه معاقبة السياسيين الذين تورطوا مع الباراميليتاريس، الذين كانوا في الوقت نفسه يُشجّعون على الاعتراف بجرائمهم. وتغذى القضاء من ذلك لتجريم هذا النسيج السياسي الذي تبيّن أنه في أكثريته الساحقة واقف وراء انتخاب أوريبي وإعادة انتخابه. هذا جانب يجب المحافظة عليه من إرث أوريبي، حتى لو كان نتيجة غير مقصودة لأفعاله. وكذلك تحديث الجيش، وهي مهمة أنجزت، بكلفة عالية. ولا تغيّر جرائم «الإيجابيات الخاطئة» بإنجاز لا عودة عنه، ولكن يجب أن تغيّر بقيادة الجيش.
للمرة الأولى منذ زمن طويل لا أحد يعرف من سيفوز في الانتخابات الرئاسية
مهما يكن، هذه النقاط لن تناقش إلا هامشياً في الحملة الرئاسية. فلن يتصدّى أيّ من المرشحين الجديين لعناوين الطروحات الأوريبية إلا لتبنّيها. ستكون المنافسة محصورة بين المرشحين دون الإكثار بالتطرّق إلى السلف المنتهية ولايته، وهو شيء مغاير للتقليد الكولومبي. الحملة الانتخابية ستكون مطبوعة بغيابه، وهذا بديهي، لأن أكثرية الناس على الأرجح كانت تفضّل، قبل صدور قرار المجلس الدستوري، إعطاءه حق الترشّح للمرة الثالثة، وبالتالي انتخابه. والدستور لا يمنع فقط التجديد، بل أيضاً إعادة الترشّح إلى الرئاسة. لذلك، يتحول كل رئيس سابق إلى «كرسي قديم»، كما قال أذكاهم ألفونسو لوبيز ميكلسين المتوفى قبل ثلاث سنوات.
بالتأكيد، لن يتحول ألفارو أوريبي إلى «كرسي قديم»، وبعدما غيّر في شكل الوصول إلى الرئاسة، قد يغيّر الآن في شكل تركها: قد يمثل أمام القضاء في ظرف ما معاد أو يتزعم المعارضة في حال فوز مرشح يعدّه معادياً له أو قد يحاول تعديل الدستور مجدداً لعودة ظافرة عام 2014.
المعطى الأخير الذي سيحدد مستقبل أوريبي هو بكل بساطة شخصية الفائز. للمرة الأولى منذ زمن طويل لا أحد يعرف من سيفوز في الانتخابات الرئاسيّة، ولا حتى من هم أقوى مرشحين أو ثلاثة، وهي ظاهرة مثيرة تفتح المجال لصيغ لا تنتهي، من إعادة التموقع حتى عشية الدورة الثانية عندئذ مبدئياً بين مرشح «أوريبي» وآخر «لاأوريبي». هناك سبعة مرشحين قد يتحولون إلى جدّيين حسب نتائج الدورة الأولى، التي ستجري في الثلاثين من أيار المقبل. والشيء الأكيد الوحيد أنه لا أحد منهم سيفوز من الدورة الأولى. هنا على الأقل، التقاليد الكولومبية تعود وتسري على حساب «الاستثناء الأوريبي».


الأوريبية حيّةحلّ حزب الوحدة الوطنية أول، والحزب المحافظ ثانياً، وحزب الاندماج (وريث السياسيين الـ80 المتورطين في فضيحة التعاطي مع الباراميليتاريس) رابعاً. على الضفة المعارضة، حافظ الحزب الليبرالي على مواقعه وتراجع القطب اليساري وتقدم الخضر.
للانتخابات الرئاسية المقبلة، رسّخت النتائج حظوظ خوان مانويل سانتوس، وزير الدفاع خلال أبرز العمليات ضد «الفارك» ورئيس حزب الوحدة الوطنية، إلا إذا قرر الحزب المحافظ أنه الأقدر على الحفاظ على شعارات الأوريبية وتجميع أخصام سانتوس في آن.