نيويورك ـ نزار عبود

خاص بالموقع - جميل احترام الشعوب للقانون الدولي والتغني بالعدالة التي ارتضتها الحكومات عندما وقّعت على ميثاق الأمم المتحدة. لكن القانون الدولي لم يطبّق سوى على من يلتزم به من «الضعفاء والمساكين»، بحسب مجموعة من كبار رجال القانون والعقيدة الأميركيين. هؤلاء رأوا أن القانون الدولي لا يطبق مطلقاً إلا عندما «تتوافر تعبئة الإرادة السياسية» حسب تعبير ريتشارد فولك، مقرر مجلس حقوق الإنسان الخاص بالأراضي الفلسطينية المحتلة. الأخير سخر في ندوة عقدت في نيويورك الخميس الماضي، من عبارة وردت في كتابات اتحاد الحقوق الدولية، وتقول «كان يعني تبني ميثاق الأمم المتحدة رغبة الدول في إيجاد نظام عالمي يؤمن شروط صون العدالة بموجب الالتزامات الواردة في المعاهدات وسائر مصادر القانون الدولي والمحافظة عليها».
إلا أن فولك يشير إلى أنه «لم تتوافر تلك النية في يوم من الأيام ومنذ ما قبل تأسيس الأمم المتحدة»، ورأى أن خير دليل على ذلك «منحُ الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي الخمس حق النقض الذي يعفيها من موجبات الميثاق بشكل مطلق».
شارك في الندوة التي عقدت في كنيسة قبالة مقر الأمم المتحدة، إلى جانب فولك، الحاخامة الإسرائيلية الأميركية لين غوتليب، ورئيس مركز الحقوق الدستورية الأميركي بيتر فايس. وناقشت تقرير غولدستون الخاص بالجرائم المرتكبة في حرب غزة العام الماضي. ورأى المفكرون الثلاثة أن قيمة «تقرير القاضي الصهيوني ريتشارد غولدستون الوثيق الصلة بإسرائيل، لم تكن في أنه كشف على نحو قاطع جرائم الحرب التي وقعت بحق الشعب الفلسطيني في غزة، لأن التقارير السابقة خلصت إلى النتيجة نفسها. إنما قيمته في أنه يؤكد أن عملية الرصاص المصهور كانت قائمة على عقيدة الضاحية التي تمثل ذروة العقلية الثأرية التي تستهدف المدنيين عن سابق إصرار وتصميم». وكما حددها فولك، عقيدة «قائمة على الالتزام بإلحاق أفدح الأذى غير المتناسب على أيّ نوع من العنف يصدر عن الطرف الآخر، ما يعني تحدياً مباشراً لأي قانون دولي يتوقع من المتحاربين الالتزام باللجوء إلى العنف المتكافئ».
وذكّر فولك بأن «العديد من جنرالات العدو هددوا قبل القتال، ولا يزالون يهددون حتى اليوم، بتدمير 100 منزل فلسطيني مقابل كل صاروخ يلحق ضرراً بمنزل إسرائيلي». وينطوي هذا التفكير برأيه على إشكاليّتين قانونيّتين: «الأولى هي عدم التكافؤ والثانية هي استخدام القوة للثأر من المدنيين. وفي كلتا الحالتين، القانون الدولي يفرض حرماً على ممارسات من هذا النوع».
في حرب غزة، لم تكن إسرائيل، بحسب فولك، «في حاجة إلى اللجوء للقوة لحماية أمنها المزعوم لأنه كان هناك وقف لإطلاق النار، عرضت حماس تمديده لعشر سنوات». عرض كان من شأنه تقليص كل الخسائر. لكن إسرائيل «خرقته في تشرين الثاني 2008 بقتل عدد كبير من الفلسطينيين في القطاع. وهذا يعني أنه كان هناك بديل من القوة لضمان أمن الحدود، أمر يسقط مقولة حق الدفاع عن النفس الذي بررت إسرائيل هجومها به».
وأضاف فولك أن «إسرائيل ما تزال دولة احتلال. والقانون الدولي يفرض عليها حماية الأهالي بدلاً من منحها حق مهاجمتهم على نحو عشوائي، وحرمانهم من أي ملاذ آمن. وتشكّك في إرادة الأمم المتحدة في تطبيق ميثاقها والقانون الدولي، واتهمها «بالسعي لوأد تقرير غولدستون الذي خلص إلى أن الجيش الإسرائيلي ارتكب جرائم حرب واضحة مثل الاستهداف عن عمد لأماكن محرمة دولياً مثل المساجد والمستشفيات وسيارات الإسعاف والجامعة الإسلامية ومنشآت الأمم المتحدة ومبانيها، وجميعها تتعارض مع القانون الدولي الإنساني». هذا عدا عن «استخدام أسلحة ممنوعة في الأماكن السكنية مثل الفوسفور الأبيض والقنابل العنقودية والدايم والصواريخ واليورانيوم المنضب».
يعتقد فولك أن التجاوزات الإجرامية الإسرائيلية لم تأت من فراغ، بل نتجت من «فكر تمارسه الدول الكبرى من دون حياء منذ أجيال. فجورج بوش، الرئيس الأميركي الأسبق، قال للكونغرس إنه «لن يطلب الإذن من الأمم المتحدة في شن حرب عالمية على الإرهاب».
أما محكمة الجنايات الدولية فلا قيمة لها بحسب فولك، لأن صلاحياتها تنحصر في محاكمة الشخصيات من دول العالم الثالث ولا ترقى إلى محاكمة شخصيات مثل نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني، أو وزير دفاعه دونالد رمسفيلد، أو جورج بوش نفسه. ورأى أنه «من واجب الشعوب التحرك من أجل جعل تقرير غولدستون قانوناً دولياً لكونه يستند، بعكس ما جاء في قرار الكونغرس الأميركي بإدانته، إلى القانون الدولي ومعاهدات جنيف بحذافيرها».
وأيدت داعية السلام المناوئة للصهيونية غوتليب، وجهة النظر هذه وقالت إنها «أمضت 44 عاماً من عمرها في إسرائيل». شاهدت خلالها الفتى يوسف يقتل برصاص جندي إسرائيلي في رأسه بينما كان يقدم سيجارة من علبته لجندي آخر، والدموع والدماء والنيران والركام والأشجار المعمّرة المقتلعة وتدمير التراث وقتل الأجنّة وتعرية الرجال والنساء وانتهاك كراماتهم، وحرق المحال التجارية وتشريد الأسر وترحيل السكان عن وطنهم الأصلي ليحل المستوطنون المستوردون محلهم. وأشارت إلى أنها «لا تحتاج إلى غولدستون ليقنعها بشيء». وأكدت أن «ما يوجّه الإسرائيليين هو العنصرية نفسها التي كانت توجه البيض في أفريقيا الجنوبية. وتقضي سياسة وزير الدفاع إيهود باراك، كما سمعتها منه شخصياً، «بوضع الفلسطينيين في حظائر».
من جهته، دحض مدير مركز الحقوق الدستورية بيتر فايس كل «المزاعم التي قدمها الكونغرس الأميركي في إدانته لتقرير غولدستون». وسخر من التحقيق الإسرائيلي وفنّد شوائبه. لكنه حذر من أن «أخطر ما يحاك حالياً بعد حربي تموز وغزة هو استهداف القانون الدولي من أساسه». واستشهد بما قالته وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، في معرض انتقادها للتقرير، إنه «يضع القاعدة لكل الحروب المقبلة». وتجاهلت عمداً، بحسب رأيه، أن التقرير يستند فقط إلى القوانين الموضوعة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وحذر فايس من أن الدول الغربية الكبرى وإسرائيل، بدأت «حملة عالمية لتغيير القانون الدولي وتفصيله حسب احتياجاتها للحروب المقبلة بحيث لا يحاسب جنرالاتها على الجرائم التي يرتكبونها بحق المدنيين في مختلف الساحات». وحث الشعوب على «التحرك ضد هذه المؤامرة الدولية المنظمة، واتباع مقاطعة للكيان الصهيوني وسحب الاستثمارات من مجموعة من الشركات التي تساهم في بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتؤمن لدولة الاحتلال التقنيات اللازمة للمراقبة والتعقب».