جولة في مفاعيل «لوكومبيا»


بول الأشقر
«ذاهب إلى كولومبيا؟ هل جننت؟». كم استمعت إلى هذا التعليق بشكل سؤال، وما يبرره هو الرقم القياسي المفجع الذي يحمله البلد بأكبر نسبة من الموتى من كل مئة ألف شخص. كلمة «لوكو» تعني مجنون بالإسبانية. لماذا كولومبيا تحتل هذا الموقع الذي جعل البعض يسمّيها «لوكومبيا»، بدلاً من كولومبيا؟ الأدب حول العنف الكولومبي لا ينتهي، والتفسيرات تختلف بين مجيب ومجيب. لماذا هذا الواقع «المجنون» في بلد شاب ومنوّع وخلاق، تخطى الأرجنتين بعدد سكانه (46 مليوناً) وصار بعد البرازيل، ثاني أكبر كتلة بشرية في أميركا الجنوبية؟
البعض يلجأ إلى التاريخ، إلى ولادة كولومبيا الكبرى (لتمييزها عن الدولة الحالية)، التي ضمّت كولومبيا ومن ضمنها باناما وفنزويلا والإكوادور.
بعد أقل من عقد، وبسبب الخلافات بين سيمون بوليفار المركزي وفرانسيسكو سانتاندير اللامركزي وغيرها، انهارت الدولة الموحدة لتحل محلها ثلاث دول. «عاشت كولومبيا خلال القرن التاسع عشر»، يقول ألونزو فالنسيا الذي يؤرخ لهذه الحقبة، «14 حرباً أهلية وطنية و50 حرباً أهلية مناطقية. أما السلام فيقتصر على عقد واحد في بداية القرن العشرين».
البعض الآخر يبحث عن السبب في الجغرافيا، في الاندس حيث تتجمّع أهم المدن الكولومبية، وخصوصيتها أنها تتفرع إلى ثلاث سلاسل جبلية تفصل بينها أنهر كبيرة، ما سمح بتغذية الخصوصيات وبتوفير محميات لمن يريد الانتفاض على الحكم المركزي.
تقول الباحثة بيلار لوبيز إن «فقدان التوحيد القسري لم يتح اندماج البلد. وبقيت الفوارق تشقّ طريقها حتى في إطار الحزب نفسه داخل العائلات وفي الأطر المناطقية. وشراسة الصراع تشتد كلما كان على سلطة ليست كبيرة أصلاً».
في نص من عام 1962 يعتبر مرجعاً للحديث عن العنف الكولومبي، تقول الخاتمة «اللاعدالة واللاعقاب واللاتسامح مثلث يفسر عنفنا الماضي وعنفنا الحاضر». عن الاعتبار الأول، مثل وحيد: أكثر من نصف البلد أي 64 في المئة من الأراضي الزراعية هي حصة 0.04 من السكان، نحو 18 ألف ملاك. ويتماشى مع هذا الرقم وجود 4 ملايين مهجّر هربوا من مسرح المعارك أو من عنف الباراميليتاريس الذي ينفذ لمصلحة سياسيين و/أو ملّاكين، في ما يسمّيه البعض «إصلاحاً زراعياً مضاداً».
عن الثاني، تتراكم أشكال العنف، الواحد فوق الآخر ـــــ من العنف الاجتماعي إلى التصفيات السياسية إلى الكفاح المسلح وعنف الباراميليتاريس وعنف «مافيات الناركو» وعصابات الإجرام ـــــ من دون أن تطوى ولو صفحة واحدة من هذه الصفحات.
وعن العنصر الثالث، يقول النروجي جوهان غالتونغ، مؤسس ما يسمّى «علم السلام»، «إن كولومبيا غير موجودة لأن الكولومبيين لا يعترفون بما يسمّى المعايير، حيث الأب هو القياس والأم هي الثقافة».
كيف نصنّف العنف؟ سألت خوزي جواكيم بايونا، مدير «مركز الدراسات لحل النزاعات»، فأجاب إن «هناك الاجتماعي الثقافي والاجتماعي السياسي والاجتماعي الاقتصادي. إلا أن هذا التصنيف يختصر بمجموعتين إذا حاولنا تحديد الفاعلين: من جهة العنف الفردي الهوسي الغرائزي النجاتي، ومن جهة أخرى العنف الممأسس المنظم المنهجي المكلف الذي يتطلب مؤسسات كبيرة ويحتاج إلى أراضيه ومجاله وانتظامه وإعادة توزيعه. إنه عنف أسياد الحرب من اليمين الفاشي بأشكاله الخاصة والرسمية إلى عنف الفارك. بهذا المعنى الأوريبية هي الآلة التي نظمت وووزعت ورتبت، جعلت هذا العنف متجانساً. وربما انتهى دورها الآن».
ويؤدي التجانس إلى درجة تحكم الآليات بالنتائج عند تبدل المعطيات. وإلا كيف نفسّر أن يختلط عنف الفارك، الذي هو في الأساس عنف دفاع ذاتي فلاحي، بعنف الباراميليتاريس الذي هو ردة فعل النخب عليه؟
«في السنوات الأخيرة، مع تبدل خريطة النزاع المسلح، انتقلت قواعد الباراميليتاريس إلى الفارك والعكس بالعكس» يلاحظ ألونزو فالنسيا عن تدهور «سياسية» النزاع.
«فضيحة الإيجابيات الخاطئة كانت لتبقى مكتومة لولا الصحافة»، تنفعل إيزابيل بيرموديز، «هذه جمهورية المكافآت». فضيحة الإيجابيات الخاطئة؟ شباب عاطلون من العمل دعوا إلى الطرف الآخر من البلد موعودون بوظيفة، صفتهم عناصر من الجيش وألبستهم بزات «الفارك» لأن الجنود والضباط كانوا يتلقون مكافآت في مقابل كل جثة مقاتل. «وقد خلّفت الجريمة، وصار نبش المقابر وتسليم عظام الجثث للدولة عادة شعبية ربما يصدر عنها مكافأة»، تتابع برموديز بألم مطبوع على وجهها. «عنف الكلمات ليس الأقل خطورة»، يؤكد الروائي نيكولاس بوينافنتورا: «وسائل الإعلام تردد عبارة الإيجابيات الخاطئة بدلاً من جرائم الدولة للحديث عن الفارك».



لقاء ثاني مع إمرأة

بنظرة خاطفة، أفهمته أنها تريد أن تقول له شيئاً. نزلت من الباص، فلحقها ليونسيو على مسافة قريبة وغير لافتة للنظر. وصلت إلى مكان مهجور والتفتت. كانت تحمل بيدها مسدساً. إنها المرأة التي أهانها في حلمه وأكتشف بعيونها رغبة الانتقام. حاول أن يطمئن نفسه: «مجرد حلم... ولا شيء مهم في الأحلام...». لم تزح المسدس عنه، تمتمت فقط: «حَسَب، حَسَب من هو الذي يحلم».
(لويس فياض): من مواليد عام 1945 في بوغوتا. من أبرز كتاب أميركا اللاتينية في نصفية القرن العشرين الثانية.