دخلت السياسة الأوروبية للجوار عامها السادس، لكنها لا تزال تحبو. ورغم تواضع إنجازاتها، يرى البعض فيها ضرورة موضوعية لتفادي المزيد من توسيع الاتحاد الأوروبي نحو دول «فقيرة»، إضافة إلى أنها مكان يكلّف بروكسل القليل من المال نسبياً، في مقابل فوائد جمّة على المدى الطويل: من ضبط الهجرة إلى توفير ممرات نفطية آمنة وأسواق قادرة على استهلاك البضائع الأوروبية


بروكسل ــ أرنست خوري
تبدو المسائل العالمية الساخنة مختلفة جداً من بلجيكا، عمّا تظهر عليه من بيروت أو أي مكان آخر. هناك، يسود الصمت أجواء معظم مسؤولي الاتحاد الأوروبي ومفوضيته، عندما يُسألون عن لبنان، وعن احتمالات اندلاع حرب جديدة عليه تحديداً. يبدو الأمر كعلبة مقفلة لا أحد يريد فتحها لمعرفة ما في داخلها. فجأة، يتذكّر المحاضرون في ورشة عمل «السياسة الأوروبية للجوار» في بروكسل، مبدأ حقّ التحفّظ عن الإجابة، وعدم صلاحيتهم لفعل ذلك، لتبرير رفض الإجابة الصريحة عن كل سؤال يتعلق بلبنان وسوريا والملف النووي الإيراني ومستقبل العلاقات الأوروبية ـــــ الإسرائيلية في ضوء التصعيد الصهيوني المتواصل تجاه الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين والإيرانيين. وعندما تلاحقهم في أسئلتك، يحيلونك على الموقف الرسمي الأوروبي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع: الاتحاد الأوروبي مع قيام دولة فلسطينية مستقلة. إنه مع سيادة لبنان واستقلاله. لا يريد أن يسمع حتى بحرب جديدة... إلى ما هنالك من كلام عام لا يشير إلى وجود سياسة أوروبية خارجية فعالة.
في المقابل، لدى مسؤولي الاتحاد الأوروبي الكثير لقوله عن كل ما لا يمتّ لـ«السياسة الكبيرة» بصلة. وقد يكون أفضل عنوان لـ«اللاسياسة» هو «السياسة الأوروبية للجوار». هناك يمكن الحديث عن الأمن والاقتصاد والطاقة وضمان تمتع أوروبا بثروات المنطقة بأفضل الأسعار، والمحافظة على الأنظمة القائمة في الدول العربية خصوصاً، وحقوق الإنسان و«القيم الأوروبية»، والهجرة، وتطوير أسواق الدول الشريكة للاتحاد لتصبح مؤهّلة لاستهلاك المزيد من البضائع الأوروبية.
جميعها أسباب مباشرة لإطلاق «السياسة الأوروبية للجوار» ولفرز عدد كبير من موظفي المفوضية الأوروبية من أجلها، إلى جانب الموازنات والأموال (12 مليار يورو لسبع سنوات). وقد يكون أكبر تأكيد للأهمية السياسية الضئيلة التي يوليها الاتحاد الأوروبي لسياسة الجوار، هو أنه لم يوكل أمرها إلى رئيسة الدبلوماسية الأوروبية كاثرين آشتون، بل إلى مفوض توسيع الاتحاد ستيفان فول. وهنا يظهر جانب إضافي للأسباب التي كانت موجبة لإطلاق «السياسة الأوروبية للجوار»، هي إيجاد إطار مؤسساتي للتعاطي مع الدول المجاورة للقارة العجوز، يوفّر بديلاً للمزيد من التوسيع وضم دول جديدة إلى الاتحاد. أي إن «سياسة الجوار» توجّه رسالة واضحة للراغبين بالانضمام إلى الاتحاد، مفادها أنه أقصى ما يمكن الاتحاد أن يقدمه لكم، جوار حسن مع حفنة من الأموال والمشاريع التنموية، لكن انسوا أمر العضوية. كلام يصحّ، وخصوصاً على العلاقة مع دول أوروبا الشرقية السوفياتية السابقة.
وقد يكون مفيداً هنا استحضار فكرة أحد مسؤولي dg relex، وهي وحدة تصميم السياسات الخارجية في إطار سياسة الجوار، ومفادها أن فكرة تفعيل سياسة الجوار ولدَت فعلياً منذ توسيع الاتحاد الأوروبي أعوام 1995 و2004. في حينها، رغبت ألمانيا بالانفتاح على الدول الشرقية، وتحديداً على أوكرانيا، ما فرض موازنة فرنسية للمشروع الألماني عبر الانفتاح جنوباً. بعد 11 أيلول 2001، بات الالتزام الأوروبي تجاه الولايات المتحدة أكبر، والحاجة الأوروبية ماسّة للمحافظة على استقرار الحكومات في الدول الجنوبية. اعتراف للمحللة السياسية في EUROPEAN POLICY CENTRE روزا بلفور، معطوف بآخر يجزم بأن سياسة الجوار لم تعطِ نتائجها بعد، بما أن السلطة لا تزال بيد الحكومات والدول، لا المفوضية الأوروبية. وأبرز دليل على ذلك، هو ما تؤكّده إليزابيث كوليت، المنسّقة في إطار المنظمات غير الحكومية التي تعنى بشؤون الهجرة، للمشاركين في ورشة عمل بروكسل، عن أن إحدى أكبر مشاكل الهجرة في سياسة الجوار، هي أنها تعطي الهامش الأوسع للدول الأوروبية للتشريع والتعاطي مع المهاجرين لا للاتحاد.
ورغم ذلك، فإنّ العلاقة الأوروبية الأفضل حالياً مع دول الجوار، ليست مع أوكرانيا (التي لم توقع بعد اتفاق الشراكة ولا يتوقع أن يكون التوقيع سريعاً مع انتخاب فيكتور يانوكوفيتش للرئاسة)، ولا مع أي من الدول الشرقية، بل مع المغرب. فهذه الدولة هي الوحيدة التي وقّعت مع الاتحاد الأوروبي اتفاق «الوضعية المتقدمة»، التي بموجبها تستحوذ الرباط على أكبر نسبة من الأموال الأوروبية المفروزة لـ«سياسة الجوار»، رغم استمرار الخلاف الدبلوماسي المغرب ـــــ الإسباني على جزر سبتة ومليلة، والمغربي ـــــ الجزائري على الصحراء الغربية.
وتشمل علاقة المغرب مع الاتحاد كل شيء تقريباً، لكنها لا تقترب من ملف حقوق الإنسان، بحجة أنّ ذلك من اختصاص وحدة أوروبية متخصصة هي الـ eidhr: من الصيد البحري، إلى تأهيل القضاء وتسريع الإصلاحات الحكومية والاقتصادية والبنى التحتية المغربية وتطوير مرافئ المغرب ووصلها بالمرافئ الأوروبية (مشروع مرفأ أغادير ـــــ بربينيان ضاعف التبادل التجاري ثلاث مرات بين فرنسا والمغرب انطلاقاً من هذا المرفأ). حتى إنّ المغرب والاتحاد الأوروبي عقدا أوّل قمة (من المفترض أن تصبح سنوية) بينهما يومي 6 و7 آذار الجاري في مدينة غرناطة.
أما العلاقة مع الدول العربية الأخرى، فهي متفاوتة من عدة نواحٍ: فالعلاقة مع أوروبا إرادية، بمعنى أن «سياسة الجوار» لا تفرض على الدول الشريكة مشاريعها واستثماراتها، بل تتجاوب مع رغبات هذه الدول. أضف أن الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة في عدد من الدول تفرض شبه غياب لأوروبا: لبنان نموذجاً، بما أنه أقل دولة على الإطلاق فُعِّل العمل معها في إطار «سياسة الجوار». ومن دون الحديث عن المشاريع الأوروبية التي أسهمت في إعادة إعمار بعض ما هدمته إسرائيل في حرب تموز، لم تنجز الشراكة الأوروبية ـــــ اللبنانية أي مشروع واحد حتى اليوم.
لكن ما يُقال عن حرية الدول الشريكة في التعاطي مع أوروبا، يبقى مشكوكاً فيه، بما أن لأوروبا مصلحة حيوية في تعزيز العلاقة والتنسيق مع دول لا ترغب في هذه الشراكة: ليبيا والجزائر تحديداً. من وجهة النظر الأوروبية، «يجب» أن تكون العلاقة مع هاتين الدولتين جيدة، لأسباب مصلحية موضوعية: الدولتان هما أهم طريق لمهاجري أفريقيا نحو السواحل الفرنسية والإيطالية والمالطية. ثمّ إنّ الغاز والنفط الجزائري والليبي، حاجة أوروبية ماسّة.


أحد أهداف سياسة الجوار هو تفادي بروكسل المزيد من توسيع الاتحاد الأوروبي

سياسة الجوار لم تعطِ نتائجها بعد، بما أن السلطة لا تزال بيد الحكومات الأوروبية، لا المفوضية
انطلاقاً من هذا الواقع، تلجأ «سياسة الجوار» إلى طرق التفافية للوصول إلى الجزائريين والليبيين. فإذا كانت الحكومة الجزائرية لا تحتاج إلى مال أوروبا، فإن أوروبا تلجأ في هذه الحالة إلى المنظمات غير الحكومية الجزائرية، وهي تجد فيها شريكاً أكثر فاعلية من الحكومة، على حد اعتراف رئيسة قسم الجزائر وليبيا وتونس والمغرب في سياسة الجوار، الإيطالية مونيكا ليبراتي.
وفي السياق، لا تنفك ليبيا تعبّر عن عدم اهتمامها بأي علاقة مع أوروبا في إطار سياسة الجوار. ورغم ذلك، فإنّ أوروبا مصرة على التمسك بأي خيط للمحافظة على العلاقة مع طرابلس. والاتفاقية الوحيدة التي تجمع دولة معمر القذافي حالياً مع الاتحاد، هي تلك التي تساعد أوروبا بموجبها طرابلس الغرب في مجال الأمراض المعدية. حتى إن أوروبا لم تمانع من تخصيص ليبيا بمبلغ 20 مليون يورو سنوياً لفترة ما بين 2011 و2013. لكن إيطاليا استطاعت، من خلال العلاقة الجيدة التي تجمع ما بين كل من العقيد القذافي ورئيس الحكومة الإيطالية سيلفيو برلوكسوني، من أن توقع معها اتفاقاً ثنائياً بشأن الهجرة، وتشديد الإجراءات الحدودية الليبية لإقفال مزراب الهجرة الأفريقية «غير الشرعية» من ليبيا إلى أوروبا.
وبالحديث عن الهجرة، وعن مركزية هذا الموضوع في العقل الأوروبي، يلاحظ المراقب كمّ الرموز الموجودة في مصطلحات الأوروبيين: الهجرة بالنسبة إليهم لا تعني سوى الهم الأمني. لا مجال للحديث عن تحسين وضع مواطني دول الجوار للتخفيف من هجرتهم إلى الجنّة الأوروبية، بل كل الحديث يدور حول كيفية منع المهاجرين من الوصول إلى الشواطئ الأوروبية. ويظهر هذا الأمر جلياً من خلال المبالغ التي تخصّصها «سياسة الجوار» لموضوع الهجرة: مليار يورو صُرفت خلال فترة قصيرة لتعزيز النقاط الحدودية لدى الدول الشريكة، رغم أن الأوروبيين يدركون الحاجة الماسّة لخلق 6 ملايين وظيفة سريعاً لضبط إيقاع البطالة في دول المغرب العربي، بحسب المسؤول في قسم المغرب العربي في إطار سياسات الجوار في المفوضية الأوروبية، برنار بروني.


قمّة غرناطة


عُقدت أول قمة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، يومي السبت والأحد، 6 و7 آذار الجاري، في مدينة غرناطة، جنوب إسبانيا، مع برنامج مباحثات شمل الهجرة والأزمة المالية والتغير المناخي والصحراء الغربية والاتحاد من أجل المتوسط والشرق الأوسط. وهذه القمة هي الأولى التي يرأسها البلجيكي هيرمن فان رومبوي بوصفه رئيساً للمجلس الأوروبي. وخُصص يوم السبت لاجتماع رجال الأعمال الأوروبيين والمغاربة، لبحث إمكانات التعاون في مجالات النقل والبنى التحتية والطاقة والطاقات المتجددة. واستغل التيار المؤيد لاستقلال الصحراء الغربية المناسبة لينظم قمة مضادة وتظاهرة شاركت فيها الناشطة أمينتو حيدر، التي سبق أن نظّمت إضراباً عن الطعام نهاية 2009 في إسبانيا، احتجاجاً على طرد السلطات المغربية لها من الصحراء الغربية.