واصلت إسرائيل تهديدها للبنان، وفي الوقت نفسه تأكيدها أنها غير معنية بمواجهة مع حزب الله، وسط تحذير إسرائيلي متزايد من إمكانات الحرب، وقدرة إسرائيل على تحمّل أثمانها


يحيى دبوق
حمّل وزير الدفاع الإسرائيلي، إيهود باراك، لبنان وسوريا مسؤولية أيّ تدهور للوضع الأمني على الحدود الشمالية لإسرائيل، لكنّه شدّد في الوقت نفسه على أنّ تل أبيب غير معنيّة بالمبادرة إلى شن هجوم ضد هذين البلدين «رغم أنّ إسرائيل قوية وتتابع المساعي القائمة، لتغيير توازن القوى في الشمال».
وقال باراك، في كلمة ألقاها أول من أمس خلال المؤتمر السنوي للجنة اليهودية الأميركية (AJC)، إنّ «الدولة اللبنانية، ومن ورائها سوريا، هي الجهة التي تتحمّل مسؤولية إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل، إذ إنّ الحكومة اللبنانية هي الطرف الذي ينبغي محاسبته، إذا تدهور الوضع»، مشيراً إلى أن الدولة العبرية «تتابع التطورات وتسلّح المنظمة الشيعية (حزب الله) بنحو 45 ألف صاروخ، تغطّي كل أراضي دولة إسرائيل». لكنّه شدّد في المقابل على أنّ «إسرائيل غير المعنية بالتصعيد، ترى تلبّد غيوم في الأفق، في (حركة) حماس في الجنوب، وفي حزب الله في الشمال، وبالطبع في إيران».
وفي أعقاب كلمة باراك، ألقت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون كلمة حذّرت فيها إيران وسوريا، وطالبت بأن «تبعدا تهديداتهما عن إسرائيل»، مؤكّدة «الالتزام القطعي للولايات المتحدة بأمن الدولة العبرية». وحذّرت كلينتون من أنّ «نقل السلاح المتطور، بما يشمل صواريخ إلى حزب الله في لبنان، وإلى حركة حماس في غزة، قد يشعل حرباً جديدة في الشرق الأوسط».
وقالت كلينتون «لا نقبل هذا السلوك الاستفزازي، ذلك أنّ الرئيس (السوري بشار) الأسد يتخذ قرارات يمكن أن تعني الحرب أو السلام في المنطقة»، ورغم ذلك برّرت من جديد الخيار الذي اتخذته إدارة الرئيس باراك أوباما بإرسال سفير إلى دمشق، مشيرةً إلى أنّ «الأسد يستمع إلى إيران وحزب الله وحماس، ومن الأهمية بمكان أن يستمع إلينا أيضاً بطريقة مباشرة، لتكون التداعيات المحتملة لهذه الأفعال واضحة».
من جهته، قال نائب وزير الدفاع الإسرائيلي، متان فيلنائي، إنّ «السيناريو المفترض للمواجهة المقبلة، يتضمن سقوط مئات من الصواريخ على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، فصواريخ حزب الله قادرة على الوصول إلى بئر السبع» في الجنوب.
وحذّر فيلنائي مسؤولي البلديات والمجالس المحلية في المدن والمستوطنات الإسرائيلية، مشيراً إلى أنّ «فرار رئيس بلدية من مدينته خلال الحرب، يعني أنه لن يكون رئيساً لبلديتها»، وتساءل بحدّة «إلى أين سيهربون؟ فكل البلاد ستكون مغطّاة بالصواريخ».
وكشف عن التقديرات الإسرائيلية لواقع الحرب المقبلة، مشيراً إلى أنه «من الواضح أن الحرب ستشهد نزوحاً لمئات الآلاف من مدينة إلى أخرى، لكن عندما يحدث ذلك فسنكون جاهزين، ورغم أنّ هذه المسألة تثير القلق، فإننا أفضل حالاً وجهوزية عما كنا عليه طوال السنوات الـ62 الماضية». وقال «سيسقط قتلى، وستحصل مشاكل، لكننا سنعمل على إيجاد حلول».
وفي محاولة لبث أجواء تهدئة، نقلت صحيفة «هآرتس» أمس، عن «ضبّاط رفيعي المستوى» في الجيش الإسرائيلي قولهم إنّ «دراسة الواقع في هذه الفترة، تشير إلى أنّ المخاوف العربية مبالغ فيها كثيراً، رغم أن احتمالات اندلاع حرب في الصيف، لا تزال قائمة». وبحسب الضباط الإسرائيليّين، فإن «تحليل مصالح كل الأطراف، لا يوصل إلى أنّ أحداً لديه مصلحة في نشوب مواجهة قريبة».
وكتب معلق صحيفة «هآرتس» للشؤون العسكرية، عاموس هرئيل، أنه «رغم التقارير التي تتحدث عن نقل صواريخ سكود من سوريا إلى حزب الله، فإنّ إسرائيل ضبطت نفسها، وامتنعت عن مهاجمة قوافل الصواريخ، ذلك أنّ التهديد الأساسي الذي يشغلها أكثر هو التهديد الإيراني».
وبحسب هرئيل، المعروف بقربه من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، فإنّ «سوريا لا تريد المبادرة إلى حرب، كما أنّ حزب الله غير معنيّ بها، إذ سيفكر مرتين قبل المخاطرة بجولة قتال جديدة، لأنه سيُتّهم بالمسؤولية عن التسبّب بأضرار ستلحقها إسرائيل بلبنان، وخصوصاً أنّ وسائل إعلام محسوبة على معسكر 14 آذار، الذي حمل في السابق راية العداء لسوريا، تحذّر حزب الله من التسبّب بحرب جديدة». وشدّد على أن «الإيرانيّين المتّهمين أحياناً بالتحريض، يبدو أنهم لا يريدون حرباً على المدى المنظور، ما دام المجتمع الدولي متردّداً في مسألة فرض عقوبات على طهران، ويسمح لهم بمواصلة برنامجهم النووي».


سوريا لا تريد المبادرة إلى حرب كما أن حزب الله غير معنيّ بها والإيرانيون يحرّضون فقط
من جهته، كتب كبير معلقي الشؤون السياسية في صحيفة «معاريف»، بن كسبيت، أن «التقديرات الاستخبارية الأخيرة تُظهر أنّ هجوماً إسرائيليّاً شاملاً ضد المنشآت النووية الإيرانية، سيؤدي فقط إلى تأخير البرنامج النووي عامين أو ثلاثة أعوام، لكن في المقابل فإنّ الرد الإيراني سيكون شديداً»، محذّرا من أن «حزب الله سيطلق ترسانته (الصاروخية) كلها علينا، أي عشرات آلاف من الصواريخ.. وهذه المرة لن تنتهي المواجهة بعشرات القتلى كما في حرب لبنان الثانية، بل بالمئات وربما بالآلاف، بما يشمل تل أبيب».
وفي خضمّ محاولات التحذير والطمأنة الإسرائيلية، برز وعيد للنائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا رحيمي، الذي أعلن من دمشق أنّ بلاده «ستكون بجانب سوريا أمام أيّ تهديد (...) وإن كان الغاصبون لأراضي فلسطين يريدون أن يقوموا بعمل ما فستُقطع أرجلهم».
وأكد رحيمي أنه «في كل الحالات سنكون بجانب سوريا أمام الأعداء (...) ولن نتوقف عن دعمها». ووصف التهديدات الإسرائيلية بأنها «ليست ذات قيمة»، مؤكّداً أنه «ولو وجدت لها القيمة فإن أحداً لا يملك الجرأة لزعزعة الصداقة والدعم الإيراني لسوريا». وتابع «لقد ولّى ذلك اليوم الذي كانت إسرائيل تهدد فيه بكل الدعم الذي تحصل عليه من جانب باقي الدول الاستكبارية (...) رأيتم كيف فشلوا أمام المقاومة في 2006 وأمام غزة المظلومة في 2009».