جنت أموالاً طائلة من المناقصات المضمونة الخاصة بالبلديات



نيويورك ــ نزار عبود
بات استخدام كلمة مؤامرة شبه يومي في الولايات المتحدة، وخصوصاً في ما يتعلق بالفضائح المالية. والمؤامرة التي يجري الحديث عنها اليوم أكبر بكثير من المئة مليار دولار التي اختلسها برنارد مادوف في خطة شيطانية مارسها على مدى 30 عاماً من مقر شركته في مانهاتان. وقيمة المال المستهدف هذه المرة، بحسب تقدير السلطات القضائية، بلغ 2.8 تريليون دولار (التريليون يساوي مليون مليون). طالت المؤامرة سندات الاقتراض البلدية، وجرى إمساك طرف الخيط من اتصال هاتفي واحد بين حي بيفرلي هيلز الفاخر في كاليفورنيا وحي وول ستريت في مدينة نيويورك. كان هذا كل ما يحتاج إليه سمسار لكي ينهب دافع الضرائب في تمويل مشروع للصرف الصحي يجري تنفيذه في ولاية وست فيرجينيا. المخابرة السرية كانت جزءاً من مؤامرة ضخمة ساحتها الولايات المتحدة بأسرها ولاعبوها من كبار الشخصيات المصرفية ينتمون إلى نخبة من المصارف الأميركية.
الاتصال جرى قبل ساعتين من موعد تسليم العروض المخصصة لإدارة عملية جمع لـ90 مليون دولار ببيع سندات ولاية وست فرجينيا. اتصل ستيفين غولدبرغ، المتعامل في شركة «فايننشال سيكيورتي انشورنس هولدنغ» بزيفي وولمارك من الشركة الاستشارية «سي. دي. آر. فايننشال برودكتس». رتّب غولدبرغ «مكافأة» لشركة «سي. دي. آر» من أجل أن يفوز بالعقد كما جاء في سجلات الحكومة الخاصة بوزارة العدل الأميركية حول الشركتين.
شاركت في المؤامرة شركات استشارية مع مجموعة من كبار المصارف تشمل «بنك أوف أميركا كورب» و«سيتي غروب» و«جيه. بي. مورغان تشيس أند كو»، «ليمان برذرز هولدنغز» و«فاكوفيا كورب». إلى جانبها هناك 11 مصرفاً أقلّ شأناً متورطة أيضاً في السرقة.
كانت المصارف تبيع عقود «مناقصات مضمونة النتيجة» بقيم تصل إلى مئات مليارات الدولارات وتحمل تسمية «جي. آي. سي».
واليوم بات هناك طابور من الوشاة المستعدين لعقد صفقات مع الادعاء العام، مقابل إخلاء سبيلهم في القضية. ومن المتوقع أن تستمر المرافعات فيها لوقت طويل نظراً إلى طول قائمة المتورطين.
وقد دفعت المصارف العريقة رشى بقيمة لا تقل عن 4500 دولار وتصل إلى نصف مليون دولار في عشرة أنواع من الصفقات. وتحولت المناقصات المضمونة إلى ما يشبه السندات، لكنّها لا تحمل قيمة إسمية عليها. إذ كلّفت البلديات الشركات الاستشارية ترويجها بهدف تحقيق أفضل صفقة ممكنة. من تلك الشركات، «سي. دي. آر» الاستشارية التي كانت تعطي معلومات مزورة للبلديات، ومعلومات حقيقية للمصارف بحيث تفوز المصارف بالعقود ضمن الحد الأدنى من الفوائد التي كانت ستدفعها كما نصّت لائحة الاتهام. وبذلك، جنت المصارف أرباحاً غير شرعية على شكل عوائد إضافية دفعت منها «مكافآت» للوسطاء.
وخضع الكثير من المصرفيين والمستشارين الماليين الذين سوّقوا صفقات «مبادلة أسعار فوائد» للتحقيق (وهي مشتقات مالية مصممة بطريقة تبقي الفائدة الشهرية متدنية الدفعات حتى عندما تتقلب معدلات الفائدة الأساسية).
كذلك أظهرت السجلات الرسمية أنّ وحدات المشتقات المالية البلدية التابعة لأكبر المصارف الأميركية كانت تبيع ذلك النوع من العقود على مستوى الولايات المتحدة بأكملها. ولإثبات الجريمة، أدلى بشهادته شاهد ملك كان يعمل في أحد المصارف، ورفضت سلطات مدينة بالتيمور في ولاية ماريلاند كشف اسمه حماية له ولستة أشخاص من المقترضين البلديين ضد «بنك أوف أميركا» و«جيه. بي. مورغان» ومعهما تسعة بنوك أخرى. فكشف ما كان يخفيه زملاؤه حتى في المصرف الذي كان يعمل فيه، وهو «بنك أوف أميركا». وساعد هذا المنشق عن العصابة المدعي العام خلال اجتماعات سرية نظمها مع إدارة البنك. وحصل المحققون على القرائن التي يحتاجون إليها منذ ثلاثة أعوام حين أفصح البنك عن تعاملاته غير الشرعية ووافق على التعاون مع قسم مكافحة الاحتكار في وزارة العدل لقاء استثنائه من الاتهام.


كلّفت البلديات الشركات الاستشارية ترويج المناقصات المضمونة فتواطأت مع المصارف ضدها
وقد اتّهم ما لا يقل عن خمسة من مصرفيي «جيه. بي. مورغان» متواطئين مع شركة «سي. دي. آر» في عمليات احتيال على ماليات البلديات.
التحقيقات تطال حالياً ثلاثة من مصرفيي «جيه بي مورغان» وستة مصرفيين من «بنك أوف أميركا». وهناك 16 شركة أخرى تتضمن وحدات من شركة «جنرال اليكتريك» العملاقة، ومصرف «يو. بي. أس» السويسري، وشركة بلجيكية تدعى «دكسيا» جميعها متهمة بالمشاركة في المؤامرة. ورفضت المصارف والشركات المتهمة التحدث لوسائل الإعلام.
وقد أدت التحقيقات حتى الآن إلى إدانة مجموعة من المتورطين، بعضهم أقرّ طوعاً بجريمته. كذلك وجهت تهمة «التآمر الإجرامي والاحتيال»، لشركة «سي. دي. آر» الاستشارية المتخصصة ومديرها التنفيذي دافيد روبين، ولنائب الرئيس إيفان زاريفسكي، لكنّهم نفوا التهم الموجهة إليهم. أما روبين الذي وجهت إليه أيضاً تهمة إجراء تحويلات مصرفية احتيالية فيواجه غرامات بقيمة 3 ملايين دولار وعقوبة بالسجن تمتد إلى ثلاثين عاماً عند إدانته.