تلوح نذر حرب جديدة بين الكوريتين على وقع تهديدات متبادلة فجّرتها حادثة إغراق سفينة حربية تابعة لسيول بطوربيد تتهم بيونغ يانغ بإطلاقه. وعلى الرغم من وقوف المجتمع الدولي وراء كوريا الجنوبية في وجه جارتها الشمالية، يبقى سيناريو الحرب الشاملة خياراً مستبعداً، على اعتبار أنه الأكثر كلفة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً لجميع الأطراف


جمانة فرحات
بعد شهر من الآن، تحتفل الكوريتان بذكرى مرور 60 عاماً على اندلاع الحرب في شبه الجزيرة الكورية، وسط تهديدات تنذر بعودتها، في أعقاب القطع المتبادل للعلاقات، وإعلان الطرفين التأهّب استعداداً لأي تصعيد محتمل قد يطيح محاولات الدول الكبرى فرض حل دبلوماسي للأزمة المستجدة. وأشعل اتهام سيول لبيونغ يانغ بالوقوف وراء حادث إغراق السفينة «تشونان» ومقتل بحارتها الـ46 بواسطة طوربيد، الرماد في نيران العلاقات المتأرجحة بين البلدين.
قمة التصعيد دفعت إليها تقارير استخبارية أميركية اتهمت الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ إيل بإصداره شخصياً أمر تنفيذ الهجوم، الذي ربطت توقيته بترتيبات خلافته، وترافقت مع إعلان كوريا الجنوبية حزمة من الإجراءات لـ«تأديب» الشمال، أهم ما فيها استئناف الدعاية النفسية بواسطة مكبرات الصوت عبر الحدود ضد النظام في الشمال، إلى جانب وقف التبادل التجاري بين البلدين.
كذلك أخرجت كوريا الجنوبية من قاموسها السياسي مصطلحات سبق أن أسقطتها منذ سنوات، وأعاد الرئيس الكوري الجنوبي لي ميونغ باك وصف بيونغ يانغ بأنها «العدو الرئيسي» لبلاده، متخلّياً عن لهجته الدبلوماسية لمصلحة الحديث عن أن «الوقت حان ليتغيّر النظام في بيونغ يانغ».
وفي موازاة الإجراءات الجنوبية، يتمسّك الشمال بنفي أي علاقة له بحادث إغراق السفينة، فيما بدأ استعداداته لأي حرب محتملة. وأعلنت بيونغ يانغ التعبئة العامة لجنود الاحتياط تحت شعار «الانتقام الانتقام»، بالتزامن مع كشف سيول عن اختفاء أثر أربع غواصات كورية شمالية.
وربطت إذاعة الجيش الشمالي اندلاع الحرب بمحاولة «كوريا الجنوبية، بمساندة من الولايات المتحدة واليابان، مهاجمتنا». وحددت هدفها بـ«إتمام مهمة التوحيد التي لم تُنجز أثناء الحرب» التي خاضتها الكوريتان في عام 1950 واستمرت حتى عام 1953.
وعلى الرغم من ارتفاع منسوب التوتر خلال اليومين الماضيين، مع قطع كوريا الشمالية خطوط الاتصالات الأساسية مع الجنوب والانسحاب من معاهدة «عدم الاعتداء» وطرد العاملين في منطقة «كايسونغ» الصناعية الحدودية والتهديد بقطع آخر طريق بري يربط بين الشمال والجنوب، يبقى خيار اندلاع حرب شاملة مستبعداً، لتكون المناوشات في عرض البحر الأصفر الأكثر ترجيحاً.
ويعزز خيار المناوشات البحرية حوادث الاشتباكات التي يشهدها البحر الصيني، وآخرها في كانون الثاني 2009. وتؤدي التداعيات السلبية السياسية والاقتصادية للحرب، وغياب أي مصلحة للدول الكبرى في اندلاعها، دوراً في تفضيل الحل الدبلوماسي المرتكز على تشديد العقوبات على كوريا الشمالية.
فالحرب التي لن تقف الولايات المتحدة لتراقبها عن بعد في حال اندلاعها، سترتّب أكلافاً مالية تبدو واشنطن في غنى عنها، وسط محاولتها المتواصلة للخروج من أزمتها المالية. كذلك ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام منطقة جديدة تستنزف جنودها، وتفاقم من خسائرها المتزايدة في العراق وأفغانستان. معطيات كهذه دفعت بوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كيلتنون إلى أن تؤكد، من سيول التي وصلتها أمس، أن إغراق البارجة يتطلّب «ردّاً قوياً لكن مدروساً»، داعيةً في الوقت نفسه «كوريا الشمالية إلى وقف استفزازاتها وسياسة التهديد والنزعة الحربية تجاه جيرانها». وسيمثّل أي تصعيد محتمل ضربة قاضية لإمكان استنئناف المحادثات السداسية بشأن البرنامج النووي لكوريا الشمالية.
بدورها، لن تكون العلاقات الأميركية ـــــ الصينية في منأى عن الحرب بين الكوريتين. وأثبتت بكين بموقفها الرافض لتحميل بيونغ يانغ المسؤولية عن حادث إغراق السفينة، وتكرار دعوتها الطرفين الشمالي والجنوبي إلى ضبط النفس في موازاة إرسال مبعوثها وو داوي لاحتواء التصعيد، أنها لن تقبل أي تهديد جدّي لبيونغ يانغ يحمل في طيّاته خطراً بإشعال المنطقة بمجملها.
والخيار الدبلوماسي يحظى أيضاً بدعم كلٍّ من روسيا واليابان، ولا سيما في ظل امتلاك البلدين حدوداً مشتركة مع كوريا الشمالية، تجعل من مصلحتهما عدم الدفع نحو أي انهيار دراماتيكي للنظام في بيونغ يانغ.
وإن كان الاستقرار السياسي محرّكاً أساسياً في السعي لكبح جماح الحرب، فإن خسارة مؤشر الأسهم في بورصة سيول ثلاث نقاط بالتزامن مع انخفاض العملة الجنوبية «الوون» 4.5 في المئة من قيمتها، أعطى إشارة واضحة لحجم التداعيات السلبية للحرب على اقتصادَي سيول وبيونغ يانغ.
تداعيات سيفاقمها إعلان البلدين قطع العلاقات التجارية بينهما. ويتوقع خسارة بيونغ يانغ لفائض يفوق ثلاثمئة مليون دولار حققته العام الماضي في الميزان التجاري مع الجنوب، فيما ستُفقد المقاطعة التجارية سيول نفوذها الاقتصادي في الشمال، يقابله زيادة اعتماد الشمال على استثمارات الحليف الصيني.
ورغم تحسّن العلاقات بين البلدين منذ عام 2000، إلا أن التأرجح كان سمة أساسية في التعاون بين سيول وبيونغ يانغ، وتحديداً العام الماضي. عام بدأت تطوراته سلبية مع انسحاب بيونغ يانغ من المفاوضات السداسية المتعلقة ببرنامجها النووي في نيسان، وأتبعتها بإجراء تجربة نووية ثانية بعد شهر واحد، لتختتم استفزازاتها مع تجربة صاروخية في تموز من العام نفسه، ما عرّضها للمزيد من العقوبات الدولية المفروضة عليها من مجلس الأمن الدولي.
وعلى عكس النصف الأول من عام 2009، أسهمت وفاة الرئيس الكوري الجنوبي السابق، كيم داي جونغ، الملقّب بـ«مهندس سياسة الانفتاح على كوريا الشمالية»، في آب الماضي، في دفع البلدين للتوصل إلى تفاهمات أوّلية تكريماً له، أنهت مؤقتاً التوتر. وظهرت آثار الانفراج من خلال إفراج بيونغ يانغ عن أربعة صيادين كوريين جنوبيين كانت قد احتجزتهم بتهمة دخولهم مياهها الإقليمية بطريقة غير شرعية، قبل أن يُتوصّل إلى اتفاق سمح باستئناف العمل بنظام لمّ شمل الأسر.
ولم تكد تمر أشهر على الانفراج، حتى جاءت حادثة السفينة لتعيد التدهور إلى علاقات البلدين. وبعد أيام من غرق السفينة، أمرت كوريا الشمالية معظم العاملين الكوريين الجنوبيين في مشروع «ماونت كامغانغ» السياحي المشترك في أراضيها بمغادرته، وصادرت أصوله المقدّرة بمئات الملايين من الدولارات، احتجاجاً على خسارة عشرة ملايين دولار سنوياً كانت تحظى به بيونغ يانغ قبل إغلاق المنتجع قبل عامين على أثر مقتل سائحة كورية جنوبية برصاص أطلقه جندي كوري شمالي. من جهتها، ألقت سيول القبض على مواطنين من بيونغ يانغ اتهمتهم بالتخطيط لاغتيال الأمين السابق لحزب العمال الكوري الشمالي هوانج جانج يوب.
ولا يمكن فصل عدم الثبات في العلاقة بين سيول وبيونغ يانغ عن تعمّد تجنّب البلدين المسارات المؤيّدة لإعادة توحيد شبه الجزيرة. والرئيس الكوري الجنوبي الجديد كان واضحاً في تخلّيه عن «سياسة الشمس المشرقة» المبنية على إقامة علاقات أكثر دفئاً مع بيونغ يانغ، لمصلحة علاقة تتسم بالبرود. وأكد مراراً أنه لا يرى «توحيداً سلمياً».
ويؤدي التفاوت السياسي والاقتصادي دوراً أساسياً في تعزيز رغبة كوريا الجنوبية في استبعاد التوحيد، المتأرجح بين أربعة سيناريوهات تبدأ بالتغيير التدريجي للنظام الكوري الشمالي أو البقاء على الوضع الراهن إلى أجل غير مسمى، وصولاً إلى انهيار النظام في بيونغ يانغ أو الحرب.


سيول تستعيد وصف بيونغ يانغ بـ«العدو الرئيسي» وترفع حالة التأهّب

كوريا الشمالية تعلن التعبئة العامة لجنود الاحتياط تحت شعار «الانتقام الانتقام»

وبينما تنعم كوريا الجنوبية باستقرار سياسي واضح، تحولت كوريا الشمالية بفعل ديكتاتورية كيم إلى ما يشبه السجن الكبير، ما يجعل الحديث عن إعادة التوحيد قبل تغيّر النظام السياسي في كوريا الشمالية أمراً مستحيلاً.
كذلك ترزح كوريا الشمالية تحت أعباء اقتصادية في مقابل ازدهار لدى جارتها الجنوبية (نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الجنوب يقل 15 مرة عن نظيره في الشمال).
وتخشى كوريا الجنوبية من التكاليف الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تنجم عن ربط البلاد بما تطلق عليه «وعاء الصدأ المتخلّف» في كوريا الشمالية، على الرغم من أن التوحيد يمكن أن ينعكس إيجاباً على القوة الاقتصادية لشبه الجزيرة الكورية، ويسهم كذلك في انخفاض الإنفاق العسكري للبلدين.
وتفيد التقديرات بأن كلفة إعادة التوحيد ستفوق في حدّها الأدنى 25 مليار دولار، لتصل في أقصى التقديرات إلى 3 تريليونات دولار، ولتجعل من إبقاء النظام في كوريا الشمالية قائماً مع تضييق الخناق عليه إلى أقصى حد ممكن الخيار الأقل كلفة والأكثر تفضيلاً لجميع الأطراف.


معاقبة بيونغ يانغ

تأكيداً للدعم المطلق لكوريا الجنوبية، تبنّى مجلس النواب الأميركي قراراً دان فيه بيونغ يانغ على خلفية مسؤوليتها عن إغراق السفينة «تشونان» في 26 آذار الماضي. ودعا القرار بيونغ يانغ إلى «تقديم اعتذارها عن العمل العدائي الذي قامت به، والتعهد بعدم انتهاك الهدنة بين البلدين أبداً».
من جهتها، فرضت كندا عقوبات على كوريا الشمالية تتضمن قيوداً مشددة على التجارة والاستثمار، وأعلنت أنها ستعلّق جميع الزيارات لمسؤولين كوريين شماليين رفيعي المستوى إلى البلاد.
أما اليابان، فأعلنت أنها تفكر في تشديد القيود على التحويلات النقدية لكوريا الشمالية، على الرغم من إعلانها أن لا خطط لديها لتقديم اقتراح مشترك مع كوريا الجنوبية إلى مجلس الأمن لفرض عقوبات على بيونغ يانغ.
(أ ف ب، يو بي آي، رويترز)