هي سياسة حافة الهاوية نفسها التي تعتمدها إيران منذ تولّى محمود أحمدي نجاد السلطة. عرض في اللحظة الأخيرة يُجهض ما يعدّه الغرب لها من «عصي»، من دون أن تتنازل عن «الثوابت والحقوق» النووية. مجرد عملية سحب للسجادة من تحت قدَمي «الشيطان الأكبر»


إيلي شلهوب
كعادتها عند كل مفترق، رمت إيران أمس «الكرة في ملعب» القوى الغربية، عبر عرض جديد لتبادل اليورانيوم، يتضمن خمسة اختراقات جديدة، يستجيب في الظاهر لمطالب المجتمع الدولي، ساحة الصراع في هذا الملف، لكنه في العمق يحقق لها مجموعة من الامتيازات تحصّن، في ما لو أقرّت، «حقوقها النووية» في مواجهة مجموعة «5 + 1».
اتفاق ثلاثي إيراني ـــــ تركي ـــــ برازيلي وقّع على مستوى القمة، أدخل مجموعة من المفاهيم الجديدة على اتفاق فيينا بما يفقده كل معانيه، التي كانت تتلخص في تعطيل البرنامج النووي الإيراني لمدة عام يكون الغرب قد تمكّن في خلاله من استعادة الأنفاس والإعداد للمواجهة المقبلة مع سلطات طهران. البداية كمّية، تتعلق بالكيلوغرامات الـ1200 من اليورانيوم الإيراني المخصّب المنصوص عليها في الاتفاق. كميّة بقيت على ما هي عليه، في الوقت الذي زاد المخزون الإيراني من هذه المادة الحيوية مئات الكيلوغرامات، ما أفقد مفهوم إخراجها من إيران كل معناه. هناك أيضاً فكرة وضع هذا اليورانيوم «أمانة» لدى طرف ثالث، بما يبقيه في أيدي إيران خلافاً للحال في اتفاق فيينا. كذلك، فرض الاتفاق الثلاثي مفهوم الوساطة بين إيران والغرب، اللذين كانا يديران علاقتهما مباشرة، مع ما يعنيه من غياب الثقة بين الطرفين، الذي كان السبب الأساس في إجهاض اتفاق فيينا. لكن الأهم، على ما يبدو، هو تأكيد طهران مضيّها قدماً في أنشطتها النووية، بل حتى الاستمرار بالتخصيب بنسبة 20 في المئة خلافاً لاتفاق فيينا الذي كان ينصّ على «التجميد»، فضلاً طبعاً عن أن إيران نجحت في توسيع دائرة الأطراف المعنيين بهذا الملف، لتضمّ الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بكامل أعضائها، إضافة إلى الوسيطين التركي والبرازيلي.
لعل هذا ما جعل مصدراً وثيق الاطلاع في طهران يقول «لا أعتقد أن أوروبا وأميركا ستقبلان به. سيسحب منهما بعض الذرائع. المواقف واضحة. الاتحاد الأوروبي يقول إنه لا يكفي لتبديد القلق والمخاوف من برنامج إيران النووي. كذلك حال الولايات المتحدة. الاتفاق هو تماماً لمصلحة إيران وانتصار دبلوماسي لها»، مشيراً إلى أن طريقة تفاعل الغرب مع هذا الاتفاق تُعد إشارة إلى رؤيته لموازين القوى وللخطوات التي يزمع اتخاذها.
وتؤكد مصادر النظام في طهران أن «الغربيين يعلمون أن كمية اليورانيوم محور الاتفاق لم تعد تمثل نسبة مهمة من مخزون اليورانيوم الإيراني»، ملمّحاً إلى أن هذا المخزون تجاوز ألفي كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب.
وتضيف المصادر أن الجانب المهم في إعلان يوم أمس، والذي سيتكرس إذا قبله الغرب، هو «الإقرار بغياب أي عنصر ثقة بين الجانبين وبالحاجة إلى أن يكون هناك وسيط بينهما، بات واضحاً أنه التركي، ومعه البرازيلي»، مشيرة إلى أن «الغرب يعترف بذلك أن من حق إيران ألا تثق به. هذا هو لبّ الموضوع».
وتشدد المصادر على أن ما جرى في طهران أمس ليس سوى «عرض أوّلي يجب أن يتحول إلى اتفاق. تصوّرنا أن (الرئيس البرازيلي لويس ايناسيو) لولا (دا سيلفا) جاء برؤية من الجانب الغربي بعد مشاورات أجراها مع الروس والأميركيين. تقدّم باقتراح درسه الجانبان (الإيراني والبرازيلي)، وخرج بتوافق على المبادئ الثلاثة: كيفية التبادل، والوسيط والمدة»، بما يختلف عمّا نص عليه اتفاق فيينا.
وتوضح المصادر أن اتفاق فيينا كان ينصّ على أن تسلّم إيران 1200 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 3.5 في المئة (من أصل المخزون الذي كان يومها مقدراً بـ1300 كيلوغرام) إلى روسيا التي تعمل على تنقيته وزيادة تخصيبه إلى 20 في المئة ومن ثم يرسل إلى فرنسا ليحوّل إلى 120 كيلوغرام من الوقود النووي، الذي لا يمكن زيادة تخصيبه، قبل أن يعاد إلى طهران خلال عام من موعد التسليم الأوّلي. في المقابل، فإن بيان يوم أمس ينصّ على أن تضع إيران 1200 كيلوغرام من اليورانيوم (من أصل أكثر من 2000 كيلوغرام) أمانة لدى تركيا، في مهلة شهر من توقيع الاتفاق مع الغرب، الذي يتعهد بتسليم إيران 120 كيلوغراماً من الوقود النووي في مهلة أقصاها عام من توقيع الاتفاق، بضمانة تركيا والبرازيل، على أن تحتفظ طهران بحقّها في استرجاع اليورانيوم الخاص بها عند أي مخالفة للاتفاق.
هناك أمر آخر «بالغ الأهمية»، بحسب المصادر نفسها، يتلخّص في مطالبة الغرب، وفقاً لاتفاق فيينا، بأن «توقف إيران جميع أنشطتها النووية، وفي مقدّمها تجميد مستوى التخصيب عند نسبة الـ3.5 في المئة، بل ووقف هذه العملية». في المقابل، فإن بيان يوم أمس يؤكد استمرار طهران بأنشطتها النووية، على كل المستويات، من بناء مفاعلات وزيادة عدد أجهزة الطرد المركزي وزيادة نوعيتها، والمضي قدماً في التخصيب بنسبة 20 في المئة.
وتشير المصادر، في هذا السياق، إلى فارق أساسي آخر بين اتفاق فيينا والعرض الإيراني الأخير، ألا وهو أن بيان يوم أمس «أدخل لاعبين جدداً على الصفقة هم الوكالة الدولية للطاقة الذرية بجميع أعضائها، ومعها تركيا والبرازيل، فيما كان اتفاق فيينا ينص على طهران في مواجهة مجموعة فيينا أي روسيا وفرنسا والولايات المتحدة».

ترحيب حذر أميركي روسي أوروبي: ستستمر بواعث القلق
وتضيف المصادر أن «الغرب، في ما لو وافق على الاتفاق الجديد، فإنه سيحاول بلا شك تصويره على أنه فوز له. من الطبيعي أن كل واحد سيتحدّث عن نصر. لكن المعادلة بسيطة جداً. على المراقب أن يقوم بحسابات الربح والخسارة. ماذا دفع كل طرف وماذا ربح؟ سيتبيّن بلا أي شك أن إيران حققت نصراً دبلوماسياً بتوفير يورانيوم مخصّب بنسبة 20 في المئة عبر وسيط من دون أن تضحّي بمخزونها بلا ضمانات». وأوضحت المصادر، رداً على مقولة إن العرض الإيراني الجديد ليس سوى محاولة لتفجير المحاولات الأميركية استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بعقوبات على طهران بعدما لانت كلّ من الصين وروسيا، أنه «لو كانت إيران تخشى العقوبات، لأذعنت وأوقفت أنشطتها النووية كما يطالب الغرب. هذا الموضوع خارج البحث. النشاط النووي مستمر».
ورداً على سؤال عمّا إذا كان هناك إجماع في إيران على العرض الأخير، أكدت المصادر أن «الموضوع النووي، لمن يفهم إيران، أكبر وأشمل من جميع الملفات الداخلية، وأنه عندما يُعلن أيّ شيء في خصوصه، يكون قد خرج من عنق الزجاجة، حيث مرّ عبر عدد كبير من المؤسسات التي تتعاطى هذه القضية. أي مماطلة أو التباس أو سوء فهم يحصل، فإنما يكون مصدره الغرب حيث الخلافات موجودة بشأت النووي الإيراني».
وعن مصلحة تركيا في وساطة كهذه، تؤكد المصادر أن «مجرد تبوّء تركيا والبرازيل موقع الوساطة بين إيران والغرب، فهذا يعني أنهما تتصدران مجموعة الدول النامية، وهذا يعطيهما ثقلاً دولياً لكونهما تحظيان بثقة الجانبين. ولعل في تغيير (رئيس الحكومة التركي رجب طيب) أردوغان لبرنامجه والمجيء إلى طهران فور علمه بإمكان التوصل إلى اتفاق خير دليل على ذلك». وتضيف «هناك طبعاً مصلحة تركيا في إزالة التوتر في المنطقة، فضلاً عن واقع كونها حليفاً اقتصادياً كبيراً لإيران، وخطّ ترانزيت إيراني أوروبي».

مواقف وردود فعل

وكان الرئيس محمود أحمدي نجاد قد أعرب في وقت سابق عن أمله أن توافق الدول الكبرى «على التفاوض بنزاهة واحترام وعدالة» مع طهران. وأضاف أن «تجربة اللقاء الثلاثي في طهران تظهر أنه إذا استند التعاون إلى الصداقة والاحترام فلا تكون هناك مشكلة... ولكنّ مشكلة المفاوضات مع مجموعة 5+1 كانت في عدم احترام بعض أعضاء هذه المجموعة تلك المبادئ. لهذا السبب لم تؤت المفاوضات ثمارها».
أما رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية، علي أكبر صالحي، فرأى أن «إيران بموافقتها على الاقتراح التركي والبرازيلي، برهنت عن حسن نيّتها. الكرة الآن باتت في ملعب الغربيين، وعلى مجموعة فيينا أن تعطي رداً مناسباً على عرض التعاون الذي قدّمته طهران».
بدوره، رأى وزير الخارجية البرازيلي سيلسلو أموريم أنه «لم يعد هناك أي أساس لفرض عقوبات» على إيران بعد الاتفاق الثلاثي. موقف كرّره أردوغان، الذي أكد وزير خارجيته، أحمد داوود أوغلو، أن «اليورانيوم الذي سيُحتفظ به في تركيا سيكون محميّاً بالكامل». في المقابل، أكدت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، كاثرين آشتون، أن الاتفاق «لا يقدّم ردوداً على كل مخاوف» المجتمع الدولي، فيما قال الوزير لدى وزارة الخارجية البريطانية، اليستير بيرت، إنه يتعيّن استمرار العمل بشأن فرض مزيد من العقوبات على إيران. ورأى وزير الخارجية الفرنسي، برنار كوشنير، أنه «ليس مطلوباً منّا نحن الرد. الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي المخوّلة ذلك».
ورحّب الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف بالاتفاق، مضيفاً أن «من بين الأسئلة هل ستخصّب إيران اليورانيوم بنفسها. في حدود ما فهمته من مسؤولي تلك الدولة، سيستمر مثل هذا النشاط. وفي هذه الحال.. ستستمر بواعث القلق الذي أبداه المجتمع الدولي من قبل».
كذلك، أعلنت الإدارة الأميركية أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا تزال لديهم «مخاوف جدية» بشأن الاتفاق الثلاثي، لكنهم لا يرفضونه كلياً. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض، روبرت غيبز، في بيان، «ينبغي على إيران أن تتخذ الخطوات اللازمة كي تؤكد للمجتمع الدولي أن الهدف من برنامجها النووي يقتصر على الأغراض السلمية».
أما الأمم المتحدة، فرأت الاتفاق «مشجّعاً»، لكن ينبغي على إيران أن تستجيب لقرارات مجلس الأمن الدولي، حسبما أعلن المتحدث باسم الأمين العام للمنظمة الدولية بان كي مون، مارتن نيسركي.
تل أبيب: سيكون أكثر صعوبة بكثير على الأميركيين أو الأوروبيين رفض هذا الاتفاق
ومعروف أن الغرب سبق أن أعطى إيران مهلة أيام في تشرين الأول الماضي للموافقة على اتفاق فيينا. كذلك أعطى الرئيس الأميركي باراك أوباما مهلة مشابهة تنتهي نهاية 2009، من دون أن يحرّك ساكناً. ومنذ ذلك الحين و«الفرص الأخيرة» تتوالى من دون أن يحصل أي تقدم في هذا الملف. وكانت روسيا والصين قد أعربتا، كلّ على حدة، وكلّ لغاية في نفس يعقوب، خلال الفترة الماضية، عن استعدادهما لمناقشة فرض عقوبات جديدة على طهران، مع التشديد على الحل الدبلوماسي.
وفي القدس المحتلة، قال مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى إن ايران «تلاعبت» بتركيا والبرازيل. وأضاف أن «تركيا لم تواجه صعوبة كبرى لكي تُستدرج على هذا النحو، فيما البرازيل تصرّفت من دون شك ببعض السذاجة». غير أن مستشاراً للرئيس البرازيلي ردّ قائلاً «من حق إسرائيل أن تقول ما تشاء، لكنها المرة الأولى التي توافق فيها إيران على إرسال وقودها النووي إلى دولة أخرى لمبادلته».
ونقلت الإذاعة الإسرائيلية العامة عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن الخطوة الإيرانية ستؤدي إلى «تعقيد الأمور» على الدول الكبرى. وأضاف «سيكون أكثر صعوبة بكثير على الأميركيين أو الأوروبيين رفض هذا الاتفاق، لأن الأمر لم يعد يتعلق بإيران حصراً، وهو وضع أسهل بكثير التعامل معه، بل بات يتعلق بقوى ناشئة، مثل البرازيل وتركيا اللتين تُعدّ العلاقات معهما شديدة الحساسية».
كذلك نقلت الإذاعة نفسها عن «مسؤولين رفيعي المستوى» قولهم إن الاتفاق الإيراني ـــــ التركي ـــــ البرازيلي «سيؤدي إلى تفاقم المشكلة الإيرانية عبر جعل التصويت على عقوبات في حق إيران في مجلس الأمن الدولي، والذي تطالب به الولايات المتحدة والأوروبيون، عملية أكثر صعوبة».
وأضافت الإذاعة الإسرائيلية أن «المنشآت النووية الإيرانية ستواصل عملها، وطهران ستواصل تقدّمها نحو برنامج نووي عسكري، في موازاة تطويرها صواريخ بعيدة المدى».


نص الاتفاق الثلاثي

1 ــ نؤكد التزامنا باتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية، ونشدد على احترام حقوق جميع الأعضاء، ومن بينها الجمهورية الإسلامية، في تطوير الأبحاث، وتنمية واستعمال الطاقة النووية (كذلك امتلاك دورة الوقود النووي ومن ضمنها نشاطات التخصيب)، وذلك لغايات سلمية من دون تمييز.
2 ــ نعرب عن اقتناعنا القوي بأنّ لدينا الفرصة الآن للانطلاق قدماً في مسار سيخلق أجواء إيجابية وبنّاءة وغير صداميّة توصلنا إلى عصر من التفاعل والتعاون.
3 ــ نؤمن بأنّ تبادل الوقود النووي هو خطوة انطلاق التعاون في مختلف مجالات التكنولوجيا النووية السلمية، وخصوصاً في مجال التعاون النووي السلمي، ومن ضمنه محطات الطاقة النووية وبناء مفاعلات الأبحاث.
4 ــ بناءً على هذه النقطة، فإنّ تبادل الوقود هو نقطة انطلاق لبدء التعاون، وخطوة بنّاءة في مجال التعاون بين الأمم. إنّ خطوة من هذا القبيل عليها أن تؤدي إلى تفاعل وتعاون في إطار النشاطات النووية السلمية لتحل مكان ـــــ وتتفادى ـــــ كل أنواع المواجهات من خلال عدم اللجوء إلى أي تدابير أو إجراءات أو إعلانات تعرّض الحقوق الإيرانية للخطر تحت إطار اتفاقية حظر الانتشار النووي.
5 ــ بناءً على ما تقدم، وبهدف تسهيل التعاون النووي المذكور، توافق الجمهورية الإسلامية الإيرانية على وضع 1200 كيلوغرام من اليورانيوم المنخفض التخصيب كوديعة لدى تركيا. وستبقى هذه الكمية في تركيا ملكاً لإيران. وقد تعيّن إيران ووكالة الطاقة الدولية مراقبين مشرفين على سلامة حفظ هذه الكمية من اليورانيوم لدى تركيا.
6 ــ ستبلغ إيران، وكالة الطاقة الدولية، برسالة مكتوبة وعبر القنوات الرسمية، بمضمون هذا الاتفاق في غضون سبعة أيام من تاريخ توقيع هذا الإعلان.
وبناءً على الرد الإيجابي لمجموعة فيينا (الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا ووكالة الطاقة)، ستُبلوَر تفاصيل إضافية حول اتفاق التبادل، وذلك عبر اتفاق مكتوب وترتيب صحيح بين إيران ومجموعة فيينا التي ألزمت نفسها بتزويد إيران بكمية 120 كيلوغراماً من الوقود النووي الذي يحتاج إليه «مفاعل طهران للأبحاث».
7 ــ عندما تعلن مجموعة فيينا التزامها بتسليم هذه الكمية، يلتزم الطرفان بتطبيق الاتفاق المذكور في البند السادس.
تعرب إيران عن استعدادها لتسليم كمية الـ 1200 كيلوغرام من اليورانيوم المنخفض التخصيب إلى تركيا في غضون شهر واحد. وبموجب الاتفاق نفسه، على مجموعة فيينا أن تسلّم إيران الـ 120 كيلوغراماً من الوقود النووي المطلوب لمفاعل طهران، بحدّ زمني أقصاه عام واحد.
8 ــ في حال عدم احترام بنود هذا الإعلان، تعيد تركيا، سريعاً وعلى نحو غير مشروط، الـ 1200 كيلوغرام من اليورانيوم المنخفض التخصيب إلى ايران، وذلك بناءً على طلبها.
9 ــ نرحّب بقرار إيران مواصلة الحوار، كما فعلت سابقاً، مع مجموعة 5+1 في تركيا حول الهواجس المشتركة المبنية على الالتزامات الجماعية وفق النقاط المشتركة لعرضهم.
10 ــ تعرب تركيا والبرازيل عن تقديرهما لالتزام إيران باتفاقية حظر الانتشار النووي ولدورها البنّاء في متابعة الحقوق النووية للدول الأعضاء. بدورها، تعرب إيران عن تقديرها للجهود البناءة للدولتين الصديقتين، تركيا والبرازيل، في المساعدة على خلق الجوّ البناء لتحقيق الحقوق النووية الإيرانية.


مـــا وراء «مغـــامرة» لـــولا

بول الأشقر
«مغامرة» الرئيس البرازيلي لويس إيغناسيو لولا دا سيلفا في طهران نهاية هذا الأسبوع ـــــ بالخرق الذي حققته وبغضّ النظر عما سيترتب عنها ـــــ تمثل نموذجاً فاقعاً عن قدرة دولة لا تتوافر عندها مقومات القوة النووية ولا حق النقض في مجلس الأمن في تحريك الأرض الملغومة، وفرض نمط تعاطٍ غير استكباري في العلاقات الدولية. للوصول إلى هذه المبادرة، التي ربما لم تكن ممكنة من دون أزمة عام 2008 الاقتصادية، من الضروري أن يكون هناك مسار تراكمي.
لهذا المسار علاقة بوزن البرازيل كدولة في أميركا الجنوبية وخصوصية قدوتها، وليس قيادتها، في محيطها. أبرز محطات هذه القدوة الحديثة: تشكيل «مجموعة أصدقاء فنزويلا» في أوائل أيام ولاية لولا عام 2003، قيادة قوات الأمم المتحدة في هايتي أفقر دولة في القارة عام 2004، دفن دول مركوسور مشروع الولايات المتحدة لمنطقة تجارة حرة في القارة الأميركية نهاية عام 2005، والسلسلة لا تتوقف هنا... وصولاً إلى تأسيس منظمة لدول أميركا اللاتينية التي ستنطلق رسمياً السنة المقبلة والتي تضم كل دول أميركا (باستثناء... الولايات المتحدة وكندا).
وترسيخ هذا المسار له علاقة بتكثيف دروب التجارة العالمية وإصرار لولا على ما يسميه منذ بداية عهده «تغيير جغرافية العالم التجارية»، والذي ترجمه بزيارة دول لم يزرها رئيس برازيلي من قبل، ما فتح خطوطاً مع أفريقيا والعالم العربي ومأسسها في قمم لتأمين تواصل مباشر بين دول الجنوب.
وصول الرئيس الأميركي باراك أوباما وصعود البرازيل ومن قبلها الصين هي ترجمة ملموسة لهذا التراجع النسبي لنفوذ الولايات المتحدة الاقتصادي والسياسي بعد انتهاء العالم الثنائي... حتى لو حاول التسلط والخطاب الأحادي إيحاء العكس. وحتى لو أن الأزمة الاقتصادية الحالية فرضت نقل مركز القرار من الجي - 8 إلى الجي - 20، أو في التغييرات الحاصلة في صندوق النقد الدولي، إلا أنها أرسلت أيضاً إشارة إلى الدبلوماسية البرازيلية بأن الوقت قد حان لتغيير بنية المؤسسات الدولية وجعلها أكثر تطابقاً مع العالم كما صار بالفعل... والأهم بأن هناك فسحة للتحرك حتى من دون هذه المؤسسات... بغية تغييرها.
من المعروف أن البرازيل تعمل لمقعد دائم في مجلس الأمن... حتى من دون أن تتوافر عندها المقومات الضرورية وإن لم تكن الكافية للحصول على هذا الامتياز أي القنبلة الذرية. إلا أن هذا «النقص» التي اختارته البرازيل طوعاً ودوّنته في دستورها يجعل البرهنة التي قامت بها (في الملف النووي!) أكثر إقناعاً، فأثبتت كيف تقتضي «المسؤولية» أن يتصرف رئيس دولة ذات عضوية دائمة، ودللت على «عدم مسؤولية» ما يطبخ عادة في القرص الصلب لمجلس الأمن. وإصرار هيلاري كلينتون على تقليل من شأن ما يقوم به لولا وتصعيبه مدلل للغاية، ونجاحه في المقابل يفتح تساؤلات لا تنتهي عما تقوم به الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
كل هذا التراكم له علاقة بسيرة لولا وبمزايا شخصيته التفاوضية وأيضاً بالرصيد الذي جمعه والطاقم الذي يحيط به. كل هذه العناصر جعلت لولا يحسم أمره للتدخل في شؤون من خارج ملعبه التقليدي في موضوع مثل الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي أو الملف النووي الإيراني.
نجاح لولا يفتح تساؤلات لا تنتهي عما تقوم به الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن
انطلقت البرازيل من أنها تدفع ـــــ وغيرها ـــــ أضرار قرارات لا يجوز لها المشاركة بأخذها... ومن أن مسارات التفاوض ملغومة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها والمصالح الواقفة وراءهم. في موضوع الشرق الأوسط، عرضت البرازيل خدماتها التوسطية وحاولت أن تدلّ بتصرفاتها عما تعنيه بـ«الوسيط النزيه»: بعكس كل المسؤولين الدوليين، أصر لولا على النوم في الأراضي الفلسطينية وللقيام بنشاطات متوازية على طرفي الصراع، وركز على ضرورة توسيع شبكة الوسطاء، مسرّاً للإسرائيليين بأنه ينوي تجنيد أحمدي نجاد للتقارب بين الإسرائيليين والفلسطينيين. في الواقع، لم يكن لولا يبحث عن خرق في الشرق الأوسط وهو يعرف أنه مسار طويل ومعقّد ويتطلب تغييرات من نوع آخر، بل كان يشير إلى خريطة طريق حقيقية للمستقبل خصوصاً يمهد الطريق لوساطته في طهران.
الملف الإيراني مختلف: الطلب الأصلي آت من إيران التي تعلم محدودية تحالفها مع فنزويلا لأن الدولتين لهما نفس البنية الاقتصادية النفطية، فيما العلاقة مع البرازيل (مع أنها أيضاً دولة نفطية: مع اكتشافاتها الأخيرة، صار احتياطها يوازي الاحتياط الإيراني) قد تكون متكاملة كما دل مثلاً أمس فتح خط تسليف من 1،25 مليار دولار خلال ثلاث سنوات للصادرات الغذائية. أحمدي نجاد يطلب ولولا يتريث إلى أن حدد موعد الزيارة.
أما التقارب مع تركيا فسمح برد الاتهامات الإسرائيلية بأن إيران تغش البرازيل: «ما مصلحة تركيا العضو في الأطلسي بأن يكون لإيران قنبلة ذرية؟». أما الرد على تهمة «السذاجة» فكان أقسى: «ساذجون هم الذين أرادوا أن يصدقوا أن هناك أسلحة دمار شامل في العراق». وهكذا، على هامش المؤتمر للأمن النووي الذي صيغ لعزل طهران، قدم لولا وأردوغان لأوباما مشروعهما للتفاوض مع أحمدي نجاد.