مطبّات سياسيّة وأمنية واجتماعيّة على طريق روما


روما ــ بسّام الطيارة
انتظر الجميع أن يأتي دور إيطاليا مباشرة بعد اليونان وإسبانيا للدخول في زوبعة الأزمة المالية. الانتظار قد يطول، إذ إن اقتصاد إيطاليا له «مقومات جد مختلفة» عن مقومات اقتصادات منطقة اليورو، فهو مبني على «الفردية والعصبية العائلية إلى جانب قوة صلات اجتماعية في المناطق»، إضافة إلى انتشار متوازٍ للصناعات الخفيفة على كامل الأراضي الإيطالية، وحصر الصناعة الثقيلة في الشمال، مع نظام مصرفي متين. إلا أن هذا لا يمنع من إمكان انهيار مالي في حال تطور الدين العام، كما لا يمنع «أعجوبة» بأن تمر العاصفة بسلام على البلاد.
خرج رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلوسكوني ليطمئن «شعبه» بأن عدوى اليونان لن تصل. وأكد وزير العمل موريزيو ساكوني أنه «ليس هناك أي خطر على الاقتصاد» بسبب صلابة هكيلية الاقتصاد الإيطالي وانخفاض الدين العام. كذلك ذكرت وكالة التصنيف المالي الدولية «موديز» أن ايطاليا لا تندرج في اطار الدول المعرضة لخطر الأزمة العالمية التي «تصيب بشكل أولي من يحمل عبء الدين العام».


الاقتصاد الإيطالي مبنيّ على الفردية والعصبية العائلية وقوة الصلات الاجتماعية
وقد مثّل تصريح الوكالة، التي تتعرض لاتهامات بـ«صب الزيت» على نيران الأزمة، تراجعاً عما سبق لها أن أعلنته قبل أسبوع من أن الأزمة التي ضربت اليونان قد تمتد إلى إيطاليا نتيجة ضغط الدين العام فيها، مع اعترافها بأن النظام المصرفي الإيطالي «متين جداً حتى الآن».
ورأى البعض أن وكالات التصنيف تحاول التخفيف من مسؤوليتها في «تدوير الأزمة» من بلد إلى آخر، وخصوصاً أن التقرير الإيجابي جاء بعد «رمي ٧٥٠ مليار يورو» لحماية الـ«يورولاند»، إذ تحتل إيطاليا المرتبة الثالثة اقتصادياً بعد ألمانيا وفرنسا.
ولإبراز متانة الاقتصاد الإيطالي، فقد صدّق مجلس الوزراء الإيطالي، في جلسته الأسبوعية، على حزمة المساعدات الموجهة لليونان والتي تبلغ خمسة مليارات يورو، وعلى خطة مساعدات طويلة الأمد لثلاثة أعوام بقيمة أربعة عشر مليار.
هذا لا يكفي لإخفاء مجموعة من المطبات التي تنتظر روما في الأيام المقبلة، أكان ذلك على الصعيد السياسي أم الاجتماعي والاقتصادي أم الأمني.
فعلى الصعيد الأمني، لا تزال تداعيات «الحجاب والمآذن» تتفاعل في إيطاليا، التي تتردد في اتخاذ خطوات اشتراعية وسن قوانين لمحاربة الموجة الأصولية التي بدأت تنتشر «كردة فعل على ما يحصل في الشمال»، كما يقول أحد العاملين المصريين في مطعم في وسط روما. ولكن أي «شمال» يقصد؟ فإيطاليا تعيش تحت ضغط «شمال داخلي»، حيث يتزايد الوزن السياسي لـ«رابطة الشمال» المتطرفة، إن لم نقل العنصرية، ويزيد اعتماد حزب برلوسكوني على التحالف معها للبقاء في الحكم، رغم مطالبتها بفصل الشمال عن الجنوب وطروحاتها المتطرفة تجاه الجالية المسلمة والمهاجرين.
ولن يخفف من وتيرة تطرفها ما كشفت عنه الشرطة السبت الماضي من أنه جرى ترحيل طالبين مغربيين في جامعة الأجانب في مدينة بيروجيا (وسط إيطاليا) كان يشتبه في تآمرهما لاغتيال البابا بنديكتوس السادس عشر إبان زيارة يعتزم القيام بها لمدينة تورينو (شمال إيطاليا) في الثاني من أيار لمشاهدة «كفن تورينو»، الذي يعتقد الكثير من الكاثوليك أنه كفن المسيح.
وفيما لا يزال ستة طلاب أجانب آخرين رهن التحقيق للاشتباه في اتصالهم بجماعات إسلامية متشددة، توضح تقارير الاستخبارات والاعتقالات أن جماعات إسلامية متشددة لها صلة بـ«القاعدة»، وخصوصاً في شمال أفريقيا، تنشط في إيطاليا ويقوم معظمها بتجنيد أفراد وتمويل لشن هجمات مخطط لها في أماكن أخرى في أوروبا.
وهناك ضغط «شمال أوروبي» ممثل بالمفوضية الأوروبية، التي فرضت قوانين صارمة للقبول بإيطاليا عضواً في منطقة اليورو. ويشير البعض في هذا المجال إلى «صندوق الدفع وإلزامية إصدار فاتورة بيع لجميع التجار والمخازن والمطاعم» عند كل عملية تجارية، وهو مطلب أوروبي لـ«ضبط ضريبة القيمة المضافة» (VAT) لمنع التهرب من دفعها لخزينة الدولة. ويفسر هذا انتشار «الشرطة المالية» (Guardia di Finanza) في شوارع المدن الإيطالية بكثافة تتجاوز

وكالات التصنيف تحاول التخفيف من مسؤوليتها في «تدوير الأزمة» من بلد إلى آخر

كثافة الشرطة الأمنية (Carabinieri). وبالطبع بات المواطن الإيطالي يضع اللوم على اليورو في كل ما يصيبه، وخصوصاً مع تراجع القوة الشرائية لشريحة واسعة من الشعب، ولا سيما في مناطق جنوب البلاد الفقيرة، حيث تبلغ البطالة نسباً عالية جداً (٢٠ في المئة). ويذكر الإيطاليون أن دخول بلادهم إلى منطقة اليورو «كلف كل إيطالي ٢٨٠٠ يورو»، وبالطبع فإن الوضع اليوم يتفاقم. فقد أدت الأزمة المالية الى اتساع موجة من الفقر بين صفوف المواطنين، رغم مكانة إيطاليا باعتبارها إحدى دول الـ٨ الصناعية. ولم تستطع الإجراءات وضع حد لحجم التضخم أو مكافحة الركود الاقتصادي الذي يعصف بالبلاد. وتؤكد العديد من الجمعيات الخيرية والمنظمات الحقوقية ارتفاع نسب البطالة بين المواطنين وتضاعف طوابير الفقراء للحصول على الوجبات المجانية.
ويلقي العديد من التيارات والأحزاب اليسارية باللائمة على سياسات برلوسكوني باعتبارها لم تستطع الحد أو التقليل من أثر الأزمة الاقتصادية على البلاد.
أما الفساد فيمكن اعتباره العامل الداخلي الذي يمكن أن يطيح رئيس الوزراء «الذي أمضى وقته أمام المحاكم للدفاع عن نفسه في تهم فساد وشراء ذمم».


٣٠٠ ألف يورو شهريّاً للطلاقورغم أن رئيس الوزراء «خرج رابحاً» من الوساطة، إلا أن بسط هذه الأرقام الخيالية في الصحافة، في الوقت الذي يعيش فيه المواطن الإيطالي أياماً صعبة، يمكن أن يترك أثراً كبيراً عندما يتوجه إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات المقبلة.