أمل بألّا يقود انفصال الجنوب إلى حرب


جمانة فرحات
يستعد السودان للدخول في مرحلة الإعداد لاستفتاء الجنوب المقرر في بداية العام المقبل، بعدما طوى صفحة الانتخابات، بفوز كبير لحزب المؤتمر الوطني الحاكم سيمكنه من مواصلة إحكام سيطرته على البلاد لسنوات إضافية، يواجه خلالها تحديات الانفصال وقرار المحكمة الجنائية الدولية الذي يلاحق الرئيس السوداني، عمر البشير.
في السياق، أكد مستشار الرئيس السوداني، مصطفى عثمان إسماعيل، أن نتائج الانتخابات أرسلت رسائل عدة، داخلية وخارجية. ولفت إلى أن الرسالة الأولى كانت عبر نسبة التصويت للبشير التي بلغت 67 في المئة، وأكدت أن الشعب السوداني يقف «مع القيادة الحالية للرئيس ومع المؤتمر الوطني وبرنامجه». أما الرسالة الثانية، فيرى إسماعيل أنها جاءت من إقليم دارفور المضطرب، الذي صوّت أهله للبشير وحزبه، مثبتين بذلك أنهم «واعون للمخططات التآمرية». أما الرسالة الثالثة فكانت «للخارج الذي يحاول أن يحاصر السودان وقيادته»، وأوضحت «أن الشعب السوداني راضٍ عن الطريق الذي يسير فيه البشير ومستعد للتضحية من أجله».
ويرفض إسماعيل الاتهامات بالتزوير، وتحديداً تلك الصادرة عن بعض المسؤولين الأميركيين، لافتاً إلى أن «الرأي الأميركي غير مهم نظراً لوجود مراقبين من مختلف المنظمات والدول أقروا بأن الانتخابات كانت حرة ونزيهة».


الأميركيون يقولون إنهم مع الوحدة وممارساتهم تقود إلى الانفصال
أما عن نسب التصويت المرتفعة في الجنوب لمرشح الحركة الشعبية لتحرير الجنوب، ياسر عرمان، فرأى إسماعيل أن «الجنوب تسيطر عليه الحركة الشعبية، والتصويت جرى تحت تهديد السلاح». وأعرب عن اعتقاده بأن «الجنوب لو ترك ليصوت بحرية لصوّت للبشير». ويرى أن نسبة الـ92 التي منحت لعرمان في الجنوب لا تعني حتمية توجه الجنوبيين لاختيار الانفصال، ويمكن أن تقرأ على أنها «تصويت للوحدة لأن عرمان لم يدع للانفصال ولأن برنامجه قائم على وحدة السودان ضمن رؤية السودان الجديد».
وعن تمسك الحكومة السودانية بإنهاء اتفاقية السلام بخيار الوحدة، أكد أن هذا الخيار ما هو إلا «تنفيذ للاتفاقية». ولفت إلى أن العمل على تحقيقها يكون من خلال «بناء الثقة بين الشمال والجنوب، وتنفيذ مشروعات الربط بين الشمال والجنوب»، إضافة إلى «توضيح مخاطر الانفصال إذا حدث، ومكاسب الوحدة».
ولخّص إسماعيل المواضيع العالقة بين الجنوب والشمال بثلاثة: موضوع أبيي التي لم ترسم حدودها نهائياً وتحديد الحدود بين الشمال والجنوب وأخيراً تفاصيل موضوع الاستفتاء. وتحدث عن وجود لجنة مشتركة تضع خططاً لمعالجات قضايا ما بعد الوحدة أو ما بعد الانفصال. وعن أبرز التنازلات التي يمكن أن يقدمها المؤتمر للحركة الشعبية لإقناعها بخيار الوحدة عوضاً عن الانفصال، لفت إسماعيل إلى أن الحركة حالياً «تحكم جنوب السودان بالمطلق من دون أي تدخل، وتشترك في حكم الولايات الشمالية أيضاً وتتولى ثلث عدد المناصب الوزارية في الحكومة الاتحادية ومنها وزارات سيادية، إضافة إلى منصب نائب رئاسة الجمهورية»، لافتاً إلى أنه في حال الانفصال سيفقدون هذه الامتيازات ويقضون على أي أمل في أن يكون حاكم السودان مستقبلاً من الجنوب». وقطع بوجود حوافز في حال التصويت للوحدة، في مقدمتها «تميز إيجابي لمصلحة التنمية في الجنوب والاستثمار الخارجي والتعليم والصحة في الجنوب، على اعتبار أن الجنوب هو منطقة خارجة من حرب».
وأعرب إسماعيل عن أمله أنه إذا رفض الجنوبيون الوحدة «أن يكون الانفصال سلمياً وأخوياً، وأن لا يقود إلى حرب مرة أخرى»، مؤكداً أن «التعاطي مع القضية انطلاقاً من هذه الروح خلال الفترة الباقية مهم جداً».
وعن مواقف الدول المعنية بالسودان وتأييدها لأيٍّ من الخيارين، أوضح إسماعيل «أن دول الجوار منقسمة بين دول تؤيد الانفصال مقابل دول تدرك أن الانفصال مضرّ»، مشدداً على أن «الخيار الأخير يبقى للجنوبيين».

مشاركة الأحزاب المختلفة في الحكومة هدفها تقوية الصف الوطني

أما عن الموقف الأميركي، فوصفه إسماعيل بأنه «متذبذب، فهم يقولون إنهم مع الوحدة، إلا أن ممارساتهم في السودان تقود إلى الانفصال».
وعن اتجاهات تأليف الحكومة، أقرّ عثمان بوجود وجهتي نظر داخل الإدارة السودانية. وأوضح أن «وجهة النظر الأولى ترى أن استقدام الخاسرين أو المقاطعين للمشاركة في الحكومة هو بمثابة خيانة للشعب السوداني ولخياراته التي حسمها، بعدما فوض إلى المؤتمر الوطني وباقي الفائزين تأليف الحكومة».
أما أصحاب الرأي الذين يؤيدون مشاركة الجميع فينطلقون من أن «التحديات التي تواجه السودان تحديات كبيرة، وثمة حاجة إلى تجميع الصف الوطني مهما كان ضعف تمثيل الأحزاب لمواجهات التحديات المقبلة، وسط ضرورة عدم ترك هؤلاء ليستغلوا من قوى خارجية لا تريد الخير للسودان».
وعن الاستراتيجية السودانية للتعامل مع المحكمة الجنائية الدولية، أكد أن المعركة الآن هي «معركة دبلوماسية في الخارج». ولفت إلى أن «الخطة الحالية هي محاصرتها في عقر دارها»، وذلك بعد النجاح الذي تحقق لجهة «محاصرة المحكمة على الأقل عربياً وإسلامياً وأفريقياً، وعلى مستوى دول العالم الثالث لتبقى فقط عواصم الدول الأوروبية».
وعن تعثّر مفاوضات الدوحة مع حركة العدل والمساواة، اتهم إسماعيل الحركة بعدم الواقعية ومحاولتها إلغاء الفصائل الأخرى للتفاوض منفردةً مع الحكومة، مبدياً «تفاؤله بإمكان التوصل إلى اتفاق سلام في الإقليم، لأن الفصائل الآن في أضعف حالاتها»، ومشدداً على أهمية «تعاون الدول التي تحتضن قيادات الحركات المتمردة للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي»، وبينها فرنسا، صاحبة الموقف الأشد بشأن إقليم دارفور.


تمسّك باتفاقيات تقاسم مياه النيلوأوضح أن هذه الاتفاقات اشترطت موافقة دول المصب لأي استخدامات من دول المنبع. ونتيجة لهذه القسمة أُقيم عدد من المشروعات، مؤكداً أن الموقف السوداني كان الاعتراف بنتيجة هذه القسمة وبالمشاريع التي أقيمت، مشدداً على أهمية «التعاون مع دول حوض النيل ووضع مشاريعها في الاعتبار»، بعدما أعلنت نيتها توقيع اتفاقية منفردة عن دولتي المصبّ في الرابع عشر من الشهر الحالي.