إجماع على أضرار المجزرة... ودعوات لفكّ الحصار عن غزةلم تمنع التغطية الإعلامية المواكبة للجريمة الإسرائيلية بحق سفن «أسطول الحرية» من تباين وجهات النظر في الصحف الأوروبية. وبينما غلبت إدانة المجزرة والدعوة لفكّ الحصار على الصحف البريطانية، انقسمت الآراء في ألمانيا وفرنسا


تباينت تغطيات الصحف لأخبار مجزرة «أسطول الحرية» بين تقارير مستنكرة ومنتقدة للجريمة الإسرائيلية، وأخرى ملقية باللوم على ناشطي السلام الذي كانوا على متن السفينة، فيما عرض بعضها التقارير والأخبار بحيادية سلبية. في ألمانيا، عنونت صحيفة «دي فيلت» النخبوية أن «إسرائيل وضعت الراديكاليين في الفخ». وقالت إن «قطاع غزة الأكثر نشاطاً، دفع الصراع إلى ذروته. ولكن كان ينبغي أن يكون العمل العسكري الإسرائيلي أكثر حذراً».
وركّزت الصحف على مؤتمر عقده في برلين، أول من أمس، الروائي السويدي هيننغ مانكلز، الذي كان على متن إحدى سفن فكّ الحصار.
وقالت صحيفة «دير شبيغل»، في تقريرها الذي صدر غداة المجزرة، «إن اسرائيل تحاول أن تثبت، بكل الوسائل، أن العنف خرج من ركاب السفن. لكنّ كفاحها من أجل تبرير هذا العمل الدموي كشف نقاط ضعفها».
ورأى خبير شؤون الشرق الأوسط، مدير القسم العربي في «دويتشه فيلله»، راينر زوليش، أن «قيام إسرائيل بعملية عسكرية ضد نشطاء سلام دوليين يقومون بمهمة إنسانية، يلحق ضرراً بالغاً بصورتها، ليس فقط في العالم الإسلامي، ولكن أيضاً في أوروبا، حيث تلقّى الكثيرون الخبر بمزيج من الغضب والارتياع».
من جهتها، انتقدت صحيفة «فرانكفورتر روندشاو» الجيش الإسرائيلي. وقالت «لعلّ نتنياهو كسب رضى بعض ناخبيه من خلال هذه العملية. لكن قدّمت إسرائيل لأعدائها، حركة حماس وإيران على سبيل المثال، مبررات إضافية لمواقفهم المناهضة لإسرائيل والداعية إلى محاربتها».
وذهبت صحيفة «تاغس» إلى القول إن ما حدث «كان هجوماً عسكرياً على سفينة مدنية في المياه الإقليمية الدولية، والمصطلح المتداول لتوصيف ذلك هو إرهاب الدولة».
أما صحيفة «هامبورغر آبندبلات» فقد حوّلت أنظارها عن هذه الجريمة لتلقي باللوم على المقاومة الفلسطينية، بقولها «غاب عن ذهن منتقدي إسرائيل أن حركة حماس، التي تسيطر على قطاع غزة، قد أطلقت أكثر من عشرة آلاف صاروخ على الأراضي الإسرائيلية»، مذكّرة بأن الحركة «تسعى إلى القضاء على وجود إسرائيل».
أما موقع «اغيسشاو دي ـــــ إي» فحمّل الناشطين بعض المسؤولية بقوله «لو سلّم أصدقاء سكان غزة أنفسهم من دون استخدام العنف، لما فقد أناس أرواحهم».
في المقابل، ركّزت صحيفة «برلينر»، القريبة من الاشتراكيين، على تصريح لعضو البرلمان السابق، اليساري نورمان باييك، انتقد فيه إسرائيل، معتبراًَ جريمتها بأنها «لم تكن عملاً من أعمال الدفاع عن النفس، بل جريمة حرب». وقالت صحيفة «فرانكفورتر الغيماينة» إن «وحشية الجيش الإسرائيلي بيّنت الى أي مدى تراجعت مكانة إسرائيل».
وفي بريطانيا، انسحبت إدانة رئيس الوزراء البريطاني الجديد ديفيد كاميرون للمجزرة، ومطالبة الدولة العبرية برفع الحصار عن غزة، على الصحف التي وجدت أنّ من غير المنطقي قلب المعادلة، وتحويل المتضامنين العُزّل إلى مجرمين.
وقالت صحيفة «ذا اندبندنت»، في إحدى افتتاحياتها، إن «أسطول الحرية» لم يحقق شيئاً، بل «جلب مزيداً من البؤس الذي لا يمكن وصفه، لشعب يعاني أصلاً الفقر واليأس، وخصوصاً للأطفال». وأضافت «حان الوقت للتفكير من جديد. أقلّه، يجب على إسرائيل فك الحصار والسماح للمزيد من المعونات والمساعدات بالوصول إلى قطاع غزة». ورأت أنه أمام الغضب الذي اجتاح المجتمع الدولي، سيكون من الصعب «ألّا ترضخ إسرائيل لهذه المطالب».
في الوقت نفسه، أشارت الصحيفة إلى أن الإدانة الدولية لفعلة إسرائيل تحفّزها على المزيد من «تبرير الذات».
وقارنت «ذا اندبندنت» في مقال آخر بين دور الولايات المتحدة تجاه إسرائيل والصين نحو كوريا الشمالية. ورأت أن الولايات المتحدة «ستضغط على إسرائيل لإظهار الاعتدال في سلوكها قليلاً، لكن في النهاية، التزامها حيال إسرائيل ضخم جداً».
من جهته، تساءل الكاتب في صحيفة «الغارديان»، سيوماس ميلن، في مقال تحت عنوان «لو كانت إغاثة غزة قريبة، لما ماتوا عبثاً» (في إشارة إلى الناشطين)، «كيف يتحول الناشطون إلى إرهابيين؟». وقال «يتطلّب إعلان أن الجنود الإسرائيليين تعرضوا لهجمات من إرهابيين، ومقتل 9 منهم، عدا عن عشرات الجرحى، الانفصال عن الواقع».


يتطلّب إعلان أن الجنود الإسرائيليين تعرّضوا لهجمات من إرهابيين الانفصال عن الواقع

أما صحيفة «مايل أونلاين»، فقالت إنه «بغض النظر عن من بدأ أعمال العنف، فإسرائيل هي من قتل». وأضافت أن الهجوم الإسرائيلي هو «آخر مظهر من مظاهر القسوة تجاه الفلسطينيين التي لطالما تبنّتها السياسية الإسرائيلية». ورأت أن إنقاذ الغزيين من اليأس هو ضرورة لدفعهم نحو التصرّف بمنطق، «حينها، إذا كانوا سيخسرون شيئاً، فسيكونون بعيدين عن دعم العنف».
أما في فرنسا، فلم يكن من خلاف بين الجميع على أن إسرائيل خسرت المعركة الإعلامية، ولا سيما أن الصحافة الفرنسية اندفعت مع بداية توالي الأخبار عمّا تعرّض له «أسطول الحرية» وراء «عواطف إنسانية». وأبرزت في صفحاتها الأولى «مأساة إنسانية هزّت عواطف المواطن الفرنسي». وبالطبع مثّل وجود عدد من المواطنين الفرنسيين بين «الرهائن» (وهو وصف استعملته بعض الصحف قبل أن تتراجع) «جاذبية إعلامية» اندفعت وراءها الصحف، لدرجة أن حدث الهجوم غطّى على قمة نيس الفرنسية الأفريقية.
إلا أن ٢٤ ساعة كانت كافية كي تسترد بعض الصحف مواقف «أقل عاطفية»، وتبدأ بطرح أسئلة عن «أهداف الحملة البحرية». ولم تتردد بعض وسائل الإعلام في الحديث عن أن هيئة الإغاثة التركية هي «منظمة إرهابية مقرّبة من حماس»، إلا أن وصول التفاصيل إضافة إلى ارتفاع عدد الضحايا بدآ يمثّلان «ثقلاً على الإعلام الفرنسي».
وتراجع قليلاً الحديث عن «هجوم»، ليبدأ الحديث عن «معركة»، من دون أن يمنع ذلك من القول إن الصحافة الفرنسية كانت تعمل وفي «قاع تفكيرها نداء العقل» الذي أطلقه مثقفون فرنسيون يهود، مؤيّديون أشداء لإسرائيل، حذّروا عبره إسرائيل من سياستها.
(الأخبار)