ربى أبو عمّو

انتبه، أنت في روسيا!... تَغيبُ اللافتات التحذيرية هذه. كأنّ القصص «المافياوية» هي مجرّد حكايات للأطفال، تتكلّم عن جزر يقطنها الـ 40 لصاً، وغرق البلاد في اللصوصية، التي تحوّلت إلى ظاهرة طبيعية وصحية، كفعل الخير مثلاً. عرف الرئيس الروسي، دميتري مدفيديف، قصة بلاده هذه. وقرر محاربتها مطلقاً مشروعه محاربة الفساد. وقال لإحدى الصحف الغربية إنه «في بلدانكم في أوروبا، لا يسحب السائق محفظته من بنطاله تلقائياً حين توقفه شرطة المرور». وأضاف إنّ «الفكرة القائلة إنّ الرشوة هي جريمة، يجب أن تصبح طبيعة ثانية للمواطنين الروس».
ويتحدث بعض الصحافيين عن أمور أخرى، ترافق يوميات الاتحاد الروسي. مثلاً يضطر المواطن إلى أن يُبقي أمواله حاضرة لشراء شهادة مزوّرة لابنه الكسول، تتيح له الدخول إلى الجامعة التي يريدها، أو للحصول على موعد لإجراء عملية جراحية لدى طبيب جيّد...
ووفقاً لدراسة أجرتها مؤسسة «ديموقراطية المعلومات»، يُدفع في روسيا مبلغ 319 مليار دولار كرشوة، في كل عام. وإذ يبلغ عدد سكان روسيا نحو 142 مليون نسمة، فهذا يعني أن المواطن الواحد يدفع نحو 2000 دولار سنوياً. هذه الصورة السيئة لروسيا، دفعتها إلى محاولة تبييض صورتها أوروبيّاً. فأعلنت صحيفة «ذا موسكو تايمز» الروسية، أمس، أن السلطة ستعمل على منع البيروقراطيين من قبول الهدايا، وسيفقد بعض المسؤولين حصانتهم القضائية.
هذه التدابير المقترحة تعالج توصيات مجلس أوروبا عام 2008، وخصوصاً أن الحكومة الروسية ستقدم تقريرها إلى مجموعة حقوق الإنسان في ستراسبورغ نهاية الشهر الجاري.
وكان مجلس هيئة مكافحة الفساد في أوروبا، ومجموعة الدول المناهضة للفساد (غريكو)، قد قدما 26 توصية إلى روسيا في تقرير صدر عام 2008. ورأى التقرير أن الفساد بات بمثابة «ظاهرة نظامية في الاتحاد الروسي».
وتدعو التوصية الـ22 إلى عدم قبول هدايا «كبيرة» في الإدارات العامة، و«إلغاء التبرير القانوني لهذه الهدايا»، فيما تدعو التوصية الـ14 إلى إدخال تعديل على قانون العقوبات للسماح بمصادرة العائدات المتأتية من جميع حالات الفساد، بما في ذلك الممتلكات.
أما التوصية الـ6، فتطالب بالحد من «الفئات التي تتمتع بالحصانة من الملاحقة القضائية إلى الحد الأدنى المطلوب في مجتمع ديموقراطي»، من دون تحديد الحد.
ليس مخفيّاً أن روسيا تسعى إلى الانفتاح على السياسة الأوروبية والأميركية. وهي على قناعة بأن نجاحها في هذه المهمة يتطلّب قرع مختلف الأبواب. فبمجرد وصول مدفيديف إلى الرئاسة، زاد عدد أعضاء مجلس مكافحة الفساد من ستة أعضاء إلى 24 عضواً. وأعلن العام الماضي عن «الخطة الوطنية لمكافحة الفساد»، التي سيجري تحديثها مرةً كل عامين.
محاولات مدفيديف هذه اصطدمت بمحاولات أخرى أثبتت فشلها. إذ لم يلتزم 23 نائباً روسياً، منهم 14 من حزب «روسيا الموحّدة»، 4 شيوعيين، و5 من الحزب الليبرالي الديموقراطي، بالموعد النهائي للإعلان عن مداخيلهم، من دون أن يحتّم ذلك فرض عقوبات عليهم.
وقال النائب الشيوعي، سيرغي ليفشنكو، إنه تحدى الموعد النهائي لأن مدفيديف «لا يفي بالتزاماته».
ليفشنكو يلوم السلطة، ومدفيديف يقول إنه يعمل على محاربة الفساد، فيما تشير مجلة الأعمال «فوربس» إلى «أنها لو أرادت نشر قائمة بأسماء الأثرياء الروس، فسيكون نصفهم من الوزراء والمسؤولين الحكوميين الآخرين».
إذاً هي معركة مع النظام وأركانه.