جمانة فرحات

مثلما كان عشاق كرة القدم يعلقون آمالهم على اختيارات الأخطبوط «بول» ليحددوا مصير منتخباتهم خلال شهر المونديال، يقترح بعض السودانيين اللجوء إلى الأخطبوط المتنبئ لحسم مصير البلاد بعد ستة أشهر، عندما يحين موعد الاستفتاء على مصير الجنوب، ولا سيما أن شريكي الحكم في السودان، كل من جهته، يبدو واثقاً من خيارات الناخبين وإن اختلفت الأحكام.
فمن جهة، يبدي حزب المؤتمر الحاكم ثقته بأن أهل الجنوب سيختارون الوحدة ولن يقبلوا الانفصال، فيما تبدو الحركة الشعبية لتحرير السودان متيقنة من أن الجنوبيين، الذين تصر على أنهم يتلقون معاملة تشعرهم بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية في بلادهم، سيختارون الانفصال ليتحولوا إلى مواطنين من الدرجة الأولى.
وبين الانفصال من عدمه، لا تزال المفاوضات تجري على قدم وساق بين شريكي الحكم في السودان أملاً في التوصل إلى تفاهمات تنهي المسائل الخلافية العالقة، وتمهد الطريق أمام تقبل الطرفين لنتيجة الاستفتاء مهما تكن، تفادياً لحرب أهلية، يرى المراقبون أن احتمالات وقوعها كبيرة في حال تعثر المفاوضات.
وتبرز «الكونفدرالية بين الدولتين المستقلتين» كاحتمال قوي بدأت أصداءه تتردد في أرجاء السودان لتشكل مرتكزاً للعلاقة بين الشمال والجنوب إذا ما اختار الجنوبيون الانفصال عن الشمال كما هو مرجح.
هذا الطرح يأتي ضمن مجموعة من ثلاثة خيارات اقترحتها لجنة حكماء افريقيا للتعامل مع احتمالات الانفصال. وتتضمن المقترحات، إلى جانب خيار الكونفدرالية، إقامة دولتين منفصلتين تماماً في الشمال والجنوب، فيما الخيار الثالث قائم على دولتين تتعاونان وفقاً لأطر مشتركة وروابط يتم الاتفاق عليها.
ولا شك في أن التعاون وعلى الأقل في المرحلة الأولى لما بعد الاستفتاء يعد إجبارياً بين شطري البلاد. تعاون ضروراته متعددة، في مقدمتها مسألة مواطني الدولتين التي ستنشأ. فعلى وقع الحرب الأهلية بين المتمردين من جهة والجيش السوداني من جهة ثانية، اضطر الملايين من أبناء الجنوب للنزوح باتجاه الشمال متخذين منه مقراً لإقامتهم وعملهم. في المقابل، اختار آخرون الجنوب للإقامة فيه بعيداً عن مشاكل الشمال وهمومه. ما سيخلق في حال وقوع الانفصال معضلة تتعلق بكيفية تصنيف مواطني الشمال والجنوب وتحديد أطر تنقلهم، وإن كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان تتبنى منح حرية التملك بالنسبة للمواطنين على أن يكونوا إما شماليين لاجئين في الجنوب أو العكس.
كذلك تبرز مشاكل النفط وتقاسم عوائده، ومشكلة الديون الخارجية الملقاة على كاهل حكومة السودان، إلى جانب الخطر الذي يمكن أن يشكله الانفصال لا على الشمال فقط، بل على المحيط الأفريقي، في ظل ما يشاع عن افتقار الجنوب لمقوّمات الدولة الناجحة.
من هنا يبرز الخيار الكونفدرالي بما يمثّله من اتحاد بين دولتين منفصلتين كأحد الحلول التي بإمكانها أن تكون منفذاً مؤقتاً للشمال والجنوب لترتيب أوضاعهم في الفترة الأولى التي ستلي الاستفتاء، على عكس ما يروّج له البعض بأنه «شعرة معاوية» التي ستمنع الانفصال.
فالحركة الشعبية أكدت مراراً تمسكها بحرفية نص اتفاقية نيفاشا لجهة وجود خيارين لا ثالث لهما يجب على الجنوبيين التصويت لأحدهما، وهما الوحدة أو الانفصال، على أن يأتي درس احتمال الدخول في اتحاد كونفدرالي مع الشمال بعد إتمام الانفصال لا قبله، وإن كان غياب الثقة الحالية بين الشريكين يشير بوضوح إلى عجز السودان بشطريه الشمالي والجنوبي عن التعايش ضمن اتحاد كونفدرالي.