خاص بالموقع - نظر الرئيس التركي عبد الله غول من نافذة طائرته إلى أراضي آسيا الوسطى الغنية بالنفط التي يحلق فوقها على ارتفاع عشرة آلاف متر، وتعجب كيف لا يرى معارضو انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي الصورة شاملة.

كان غول عائداً إلى بلاده من كازاخستان الغنية بمواردها المعدنية، وهو السبب الذي يجعل الصين وروسيا والغرب يتوددون لها، وقال للصحافيين المرافقين له «الكل يعرف أنّ مساهمة تركيا الكبرى ستكون في مجال الطاقة».
في «اللعبة الكبرى» الجديدة الجارية في منطقة أوراسيا ستلعب تركيا دوراً حيوياً في أمن الطاقة الأوروبي كمعبر لأنابيب البترول التي تنقل النفط والغاز من آسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط.
لكن شكوكاً قديمة في السماح بعضوية دولة مسلمة يقطنها 71 مليوناً من بينهم عدد كبير يعيشون في مناطق متخلفة في شرق الأناضول جعلت الأوروبيين يحجمون.
وعلى الرغم من كلّ الإصلاحات الأخيرة لا يرى البعض في تركيا إلا دولة تطاردها شبح الاضطرابات الاقتصادية وتدخلات الجيش في السياسة من أواخر القرن العشرين.
وصرح غول بأنّ عدداً من أعضاء الاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة يخلقون «عقبات مفتعلة» دون مراعاة لرؤية بعيدة المدى لمزايا ضم دولة علمانية مسلمة ينمو اقتصادها سريعاً إلى ناديهم.
وقال غول «إذا ضحيت بأهداف استراتيجية لمصلحة اعتبارات تكتيكية فلن تصبح لاعباً جيداً أبداً».
مرت خمس سنوات منذ أن دخلت تركيا محادثات رسمية للانضمام للاتحاد الأوروبي.
في ذلك الوقت استكملت تركيا فصلاً واحداً هو الفترة التي خصصت لبحث القضايا المطروحة للمفاوضات وفتحت 13 قضية أخرى وأمامها 21 قضية.
وكلّ الفصول الباقية مغلقة باستثناء ثلاثة فقط، بما في ذلك الفصل الخاص بالطاقة الذي تركز عليه تركيا.
والسبب في هذه المعضلة هو بالأساس المأزق القائم بشأن جزيرة قبرص المقسمة وهي عضو في الاتحاد الأوروبي. فقد أعاقت الحكومة القبرصية اليونانية إحراز تركيا تقدماً طوال هذه الفترة بسبب تأييد أنقرة للقبارصة الأتراك الذين انفصلوا عن نيقوسيا عام 1974.
لكنّ الأتراك الداعين لانضمام بلادهم الى الاتحاد الأوروبي يقولون إنّ القضية القبرصية أصبحت وسيلة تستغلها دول أخرى تعارض انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي.
وقال غول «بعض الدول على الرغم انّها غير متأثرة مباشرة تستغل هذه القضية لخلق عقبات مفتعلة».
وركزت تركيا وهي عضو في حلف شمال الاطلسي جهودها لتعزيز علاقاتها مع جيرانها الشرقيين ومع دول الشرق الاوسط والعالم الإسلامي، بالإضافة الى روسيا ودول الكتلة السوفياتية السابقة مما دفع بعض المنتقدين الى القول إنّها تعطي ظهرها الى الغرب.
بل ذهب البعض الى أبعد من ذلك ويقول إنّ اختيار أصدقاء جدد مثل إيران وسوريا هو من سمات حكم حزب العدالة والتنمية التركي ذي الأصول الإسلامية. وينفي غول ذلك قائلاّ إنّ هناك سوء فهم.
ويقول إنّ انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي هو من الأولويات السياسية للدولة.
فحزب العدالة والتنمية الذي كان ينتمي اليه غول قبل أن يصبح رئيساً عام 2007 كان القوة الدافعة وراء هذه السياسة. وبينما لا يزال المنتقدون يتحدثون عن أصوله الإسلامية يرى الحزب نفسه مرادفاً مسلماً للديموقراطيين المسيحيين في أوروبا.
وقال غول إنّ تركيا ملتزمة بمبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان والسوق الحرة والمساواة بين الجنسين والشفافية والمحاسبة، وانّها عازمة على تعزيز تلك المبادئ.
وأضاف غول انّ الشبان والمثقفين ورجال السياسية في العديد من الدول الإسلامية يستلهمون التغيير الجاري في تركيا.
وقال غول «تركيا أصبحت محور الاهتمام. الكلّ يسأل نفسه ويقول (اذا استطاعت تركيا تحقيق ذلك نستطيع فنحن أيضاً أن نحققه)».
ويرى غول انّ تحسين العلاقات مع الجيران الشرقيين والبحث عن اسواق في الشرق الاوسط وأفريقيا والعالم الاسلامي بمعناه الواسع وأيضاً مع دول الكتلة السوفياتية السابقة لا يقوض هدف تركيا في الانضمام الى الاتحاد الاوروبي.
ويرى أنّه كان من الطبيعي ان تتعامل تركيا مع دول كانت جزءاً من الامبراطورية العثمانية في الشرق الاوسط والبلقان والقوقاز بالطريقة نفسها التي تعزز فيها بريطانيا روابطها مع دول الكومنولث أو كما تعمل اسبانيا مع دول أميركا اللاتينية ومن بينها دول راديكالية.
وإقامة علاقات طيبة مع دول الجوار هي جزء من الرؤية الشاملة لإشاعة الاستقرار والأمن الضروريين لتحقيق الرخاء في منطقة أهملت الحكومات فيها شعوبها بإهدار الموارد على الحروب والصراعات والمواجهات.
وفتحت سياسة تحسين العلاقات مع الجيران الشرقيين الباب أمام تحالف ملحوظ مع إسرائيل رغم تضرره من واقعة اعتلاء القوات الإسرائيلية سفينة مساعدات تركية كانت متجهة الى غزة وقتلها تسعة نشطاء أتراك.
والتوجه الجديد في السياسة الخارجية لن يسير دون انتكاسات. لكن أنقرة ترى بوضوح فاتحة لقوى دافعة للتنمية الداخلية ونقطة ترويجية رئيسية للأوروبيين الذين لم يروا بعد الصورة الشاملة التي يراها غول.
وقال الرئيس التركي «تركيا هي محرك للاستقرار في المنطقة».
(رويترز)