باريس ــ بسّام الطيارة

من مميزات الحركات الإضرابية العمالية أو الطالبية في فرنسا، وفي الدول الديموقراطية عموماً، أن الحياة لا تتوقف مع الإضراب أو التظاهرات. ولا يعود هذا الشيء إلى «بأس وحزم» الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كما تود بعض الصحف اليمينية أن تؤكده، بل إلى تفهم النقابات والمنظمات لأهمية «عدم حشر المواطن» في زاوية الابتعاد عن تأييد المطالب التي من أجلها نزل الآلاف أو الملايين إلى الشارع، إضافة إلى أن محاولة التخفيف عن المضربين عبر جعل المشاركة «مداورة» بحيث يتوزع ثقل حسومات رواتب أيام الإضراب على أكبر عدد ممكن من العمال في ظل أزمة تراجع القوى الشرائية.
يفسّر هذا سبب وجود عدد كبير من مؤيدي الإضراب إلى جانب عدد كبير من المتخوفين من انعكاسات الإضرابات على حياتهم اليومية. وحسب آخر الاستفتاءات، فإن ٦١ في المئة من المواطنين «يتفهمون أسباب الإضراب»، وفي خط موازٍ ترى بنسبة ٥٦ في المئة «ضرورة احترام تصويت البرلمان». إلا أنه حسب أكثر من خبير، فإن هذه النسب المئوية لا تعكس عمق الجرح الذي خلفته «ثورة نظام التقاعد» من جهة، ولا تأخذ بالحسبان الحلقات الجديدة التي انبثقت من هذا التحرك والتي يمكن أن تتوسع لتطال مطالب سياسية جديدة.
في المقابل، فإن آخر استفتاء لشعبية ساركوزي تثبت أنه رغم «مروره بالقوة ونجاحه» بتجاوز موجة الاحتجاجات، فهو لم يتقدم شعبياً البتة، إذ إن ٢٩ في المئة فقط من المواطنين يؤيدون سياسته، بالتوازي مع ٧١ في المئة يؤيدون «ضروريات إصلاح نظام التقاعد»، ما يفيد بأن النهج الذي اتخذه ساركوزي لإقرار هذه الإصلاحات يسبب ردة فعل سلبية، وأن سياسته السابقة والفضائح التي أحاطت بفريق عمله لا تزال تترك آثاراً تثقل شعبيته وتبقيها تحت خط خطر جداً بالنسبة إلى مشاريع ترشحه للرئاسة بعد سنة وأشهر معدودة.
وتزداد الأمور تعقيداً مع ظهور أولى الأرقام التي تتحدث عن «خسائر الاقتصاد الفرنسي نتيجة موجة الاحتجاجات»: كل يوم إضراب يكلف ما بين ٢٠٠ إلى ٤٠٠ مليون يورو حسب أرقام منسوبة إلى وزارة الاقتصاد، ما يجعل خسائر ثمانية أيام بحدود الـ3.2 مليارات يورو. يضاف إلى ذلك «تراجع صورة فرنسا السياحية، وهو يصعب حسابه بالأرقام».
ومن المعروف أن شركة الطيران «إير فرانس» خسرت يومياً بحدود ٥ ملايين يورو، بينما شهدت حركة الحجوزات في الفنادق والمطاعم الكبرى «موجة إلغاءات» بحدود ٣ في المئة، بينما تراجعت «الحركة التجارية الداخلية» أي التسوق والتبضع اليومي بنسبة ٤٠ في المئة في تجارة المفرق والشراء الرقمي أو عبر المراسلة. أما خسائر مصافي النفط، فهي بحدود ٣٣ مليون يورو يومياً منذ ٢٨ يوماً.
مع ذلك، وافقت محكمة القضايا المستعجلة على طلب النقابات، وردت بغير قانونية «استدعاء العمال لمعاودة العمل بحجة ضرورات الأمن الوطني» بسبب تعارض هذا الاستدعاء وحق الإضراب المكفول دستورياً بغياب تهديد حقيقي للأمن الوطني. وقد عاود محافظ منطقة الوسط استدعاء العمال لمصفاة الحوض الباريسي الأكبر في فرنسا، وعاودت النقابات تقديم دعوى جديدة.
إنها لعبة القطة والفأر التي يمكن أن تستمر حتى بعد صدور القانون غداً الأربعاء، وخصوصاً أن النقابات على موعد يوم الخميس مع إضراب عام جديد وتحرك وطني يوم السبت. وقد وصف خبير هذه التحركات بأنها «حرب عصابات نقابية مسالمة» ستستمر حتى بعد صدور القانون وتتوسع المطالب لتنتقل مع توسع المشاركين من مطالب نقابية عمالية شاملة إلى مطالب سياسية. ويرى بعض المراقبين أن النقابات نجحت بفرض حركة مسالمة ومستمرة، وهو ما لم يحصل في الشارع منذ ١٥ سنة، وأنه رغم استخدام حكومة ساركوزي لهذا الطابع المسالم للحركة لـ«فرض صورة حزم وتصميم» مع التشديد على العنف المرافق الذي باعتراف الجميع سببته جماعات قليلة العدد ومن خارج الجسم الطلابي أو العمالي، فإن مجرد فرض واقع «توتر اجتماعي مسالم» هو بحد ذاته انتصار للحركة النقابية. السؤال الذي يراود ساركوزي والنقابات معاً هو ماذا يحصل إذا انتقلت شعلة المطالب إلى الحركة الطلابية بعد العطلة؟