فرنسا لم تهدأ بعد. انعكست تظاهرة الثلاثاء على يوم أمس. فلا يزال الرئيس الفرنسي مصرّاً على إقرار نظام التقاعد، رغم حديث عن احتمال إجراء تفاوض


باريس ــ بسّام الطيارة
كان الوقت باكراً. وقف صفّ طويل من السيارات أمام محطة للمحروقات، وقد أقفل المواطنون زجاج النوافذ طالبين الدفء. أسرع المشاة للولوج إلى داخل محطات قطارات الأنفاق الدافئة المزدحمة بالمواطنين المتوجهين إلى أعمالهم بعد يوم تظاهرات مشحونة.
امتلأت جوانب الطرق بقمامة خضراء لوّنتها ألسنة لهب الحرائق، تضاف إليها كميات ضخمة من زجاجات فارغة تجاور صناديق كرتونية مطوية لم تمر شاحنات بلدية باريس لنقلها إلى معامل تدوير الزجاج والكرتون. الشوارع فارغة وقد خلت من التظاهرات، بعد يوم شهد نزول ما يزيد على ٣،٢ ملايين متظاهر للتنديد بقانون التقاعد.
في المقابل، كان هناك صف طويل من النساء والرجال لا تبدو عليهم نية التظاهر، بينهم عدد من الأطفال ورضيع تحمله امرأة صينية الملامح، والشرطي الوحيد الواقف أمامهم كان يبتسم لهم ولا يرتدي خوذة محاربة الشغب. الواقفون في هذا الصف الطويل الملوّن لا يحملون أي صحيفة مثل بقية المشاة والجالسين في المقاهي، بل يحملون كلهم «دوسيه» يضمونه إلى صدورهم كأنه كنز ثمين: إنهم مهاجرون يسعون إلى الحصول على أوراق إقامة.
من تسنّى له احتلال الأماكن الأولى في الصف بات ليلته في محطات المترو للوصول باكراً. أما الآخرون فقد استيقظوا مع الفجر «وتدبروا أمورهم» للوصول قبل فتح الباب، ليحصلوا على دور يسمح لهم بالبقاء في فرنسا. هؤلاء لن يهتموا بتفاصيل نظام التقاعد قبل أن يحصلوا على إقامة. بعد ذلك، من الممكن أن نجدهم في التظاهرات.
في هذه الأثناء، لا يزال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يظهر عضلاته، وقد أكد عدم إمكان التراجع عن القانون، متجاهلاً نزول الملايين إلى الشارع، ومشدداً على «حرية العمل وحماية الاقتصاد الوطني»، وأمر قوات الأمن بإزالة الطوق المضروب على مستودعات الوقود من قبل المعارضين. وقال «أصدرت أوامري لفك الطوق عن كل مستودعات المحروقات بهدف العودة في أسرع وقت ممكن إلى الوضع الطبيعي»، محذراً من أنه «إذا لم يوضع حدّ سريع لذلك، فإن عمليات الفوضى هذه التي تسعى إلى التسبّب بشلّ البلاد، يمكن أن تكون لها آثار على العمل من خلال تدهور السير الطبيعي للنشاط الاقتصادي».
وتابع الرئيس الفرنسي أن مشروع الإصلاح ماض «حتى النهاية»، مؤكداً حرصه على «ضمان احترام النظام الجمهوري».
وبالفعل، توجهت قوات الأمن وفتحت ١٣ محطة تكرير من دون عنف. إلا أنه بعد أقل من ساعة، حوصرت أربع منها وثلاث محطات جديدة. النتيجة لم تتغيّر على المواطنين، لا بل على العكس، إذ إنه رغم إمداد عدد من محطات بالوقود، فإن عدد المحطات التي أغلقت أبوابها بلغت ٣٠٠٠ محطة في منتصف نهار أمس.
السؤال الذي يدور اليوم في رؤوس المواطنين هو «وماذا بعد؟». يتفق الجميع على أن ساركوزي والحكومة يراهنان على «عطلة عيد جميع القديسين» وغياب المواطنين عن المدن، مع إقفال المدارس والجامعات لمدة عشرة أيام، ما يمكن أن يساعد على تنفيس موجة الاحتجاجات.
إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة. فقد أثبتت إضرابات الطلبة السابقة أنهم يستفيدون من أيام العطلة لتنظيم أنفسهم، ويتوقع أحد النقابيين أن تكون الحركة الطلابية هي رأس حربة التحرك بعد العطلة.
ويبدو أن رئيس الحكومة فرانسوا فييون يريد استباق هذا التحرك وفصل الحركة العمالية عن الحركة الطلابية، فأعلن أن إقرار القانون يجعله «قانون الجمهورية سارياً على الجميع». إلا أنه استطرد قائلاً إن القانون يتضمن إجراءات إدارية «يجب التشاور مع النقابات لإقرارها»، وإن عدداً من القرارات «تتطلب مشاورات جماعية بين العمال وأرباب العمل». وقد عدّ البعض هذا «أول إشارة انفتاح»، بعد كثرة الأحاديث التي أشارت إلى أنه «لن يُكلّف (فييون) بتأليف الحكومة الجديدة» التي وعد ساركوزي بها مباشرة بعد إقرار القانون العتيد، وأن لهذه الإشارة تفسيرات عدة: إما أن تكون محاولة لامتصاص الزخم الممكن أن يحصل نتيجة التنسيق خلال العطلة بين مختلف الحركات المعبأة، أو أنها محاولة للابتعاد عن «التشدد الساركوزي» في حال لم يُستدعَ لتأليف الحكومة.
وبالتالي يبعد نفسه عن دفع فاتورة التصلب السياسي في المرحلة المقبلة، تاركاً «واجهة الحرب المعلنة» لوزير الداخلية بريس هورتوفو، الذي توجه إلى مدينة ليون.
تجدر الإشارة إلى أن وسط ليون كان مسرحاً لحوادت جديدة اندلعت بين الشبان المتظاهرين وعناصر الشرطة، حيث انتشرت قوات الأمن بكثافة، وحلّقت مروحية مراقبة في الجو.