معمر عطوي

لم يكن من السهل وضع صور تحمل دلالات التمجيد للزعيم النازي أدولف هتلر في معرض على هامش افتتاح متحف التاريخ الألماني اليوم في برلين، نظراً إلى حساسية لدى الألمان تجاه تاريخهم العنصري. لكن هذا الإحراج تجاه رفع صورة هتلر تزامن مع مناخ سائد لدى سياسيين ألمان أطلقوا في الأونة الأخيرة تصريحات تسهم في إحياء العنصريّة.
فقبل يومين من افتتاح المعرض، الذي تغيّر اسمه من «هتلر» إلى «هتلر والألمان: أمّة وجريمة»، أظهرت دراسة أعدتها مؤسسة «فريدريش إيبرت» التابعة للحزب الاشتراكي الألماني، أن أكثر من 13 في المئة من الألمان «يوافقون بنحو عام أو بنحو كامل» على أن ألمانيا بحاجة إلى «فوهرر» (قائد) يحكم البلاد «بقبضة قوية».
المناخ العام في ألمانيا تسيطر عليه جدالات حامية، منذ تصريحات عضو مجلس إدارة المصرف المركزي الألماني، ثيلو زاراتسين، الذي قال في كتابه المثير للجدل إن ألمانيا «تصيب نفسها بالغباوة» مع تكاثر المهاجرين المسلمين.
لكن القضية وصلت الى أعلى مراكز الحكم، حين أكد الرئيس الألماني، كريستيان فولف، أنه رئيس للمواطنين المسلمين مثل غيرهم من الألمان. تصريحات حملت المستشارة أنجيلا ميركل على التذكير بأن «جذور ألمانيا مسيحية ويهودية»، مع العلم أن ميركل وفولف من الحزب نفسه (الاتحاد المسيحي الديموقراطي ـــــ CDU).
من جهتها، جريدة «برلينر» نشرت مقالاً للكاتب هاري نوت، تحدث فيه عن «توحش الكلمة» في الصراع الثقافي، مشيراً الى تصريح لوزيرة العائلة الألمانية، كريستيا شرودر (CDU)، ألقت فيه مسؤولية الجرائم التي تحدث في البلاد على المهاجرين من الإثنيات الأخرى غير الألمانية. ويلفت الكاتب الى أن الوزيرة تعرضت لانتقادات عنيفة في وسائل الإعلام ومدونات الإنترنت لدرجة أن أحدهم وصفها بـ «العاهرة الألمانية».
لقد أضحت العدائية الألمانية، شكلاً من أشكال العنصريّة، تصارع ضد السامية وضد الإسلام، حسبما يرى نوت. فرئيس حكومة بافاريا، هورست زيهوفر (الاتحاد المسيحي الاجتماعي)، لاحظ أن المهاجرين من الثقافات الأخرى من الأتراك والعرب، لديهم صعوبة في الاندماج، ولا حاجة إلى ألمانيا في استقبالهم.
لعل مشكلات الوزيرة ورئيس الحكومة بكل دلالاتها، حسب نوت، «تحمل مفاهيم العدائية الألمانية والحضارية، ولا تسهم في تطوير الاندماج المحلي». وبالتالي هي تصريحات مثيرة للعصبية والتهديد.
ويضيف كاتب «برلينر»، إن ما يحدث من تحفظ اثني، هو عبث ثقافي تاريخي وحمق سياسي. فالتصريحات الأخيرة لزيهوفر وشرودر، «هي دليل آخر على أن الطبقة السياسية منقسمة بشأن موضوع الاندماج بين معسكرين. ففيما يتطلع الرئيس وولف الى تحقيق فكرة المجتمع المفتوح، يبحث القادة الآخرون خارج القواعد القانونية للهجرة للرد على القلق الاجتماعي».
من هنا يُطرح السؤال في عاصمة «الرايخ الثالث»، عمّا إذا كان السياسيون يريدون ألمانيا، مجتمعاً منفتحاً وحديثاً، يتمتع بقوة اقتصادية وجاذبية ثقافية، أم مجتمعاً يعيده الحنين الى ممارسة العدائية وتمكين العنصريين من حكم البلاد، ولا سيما أن نصف الألمان (58,4 في المئة) يرون ضرورة فرض قيود شديدة على ممارسة الشعائر الإسلامية.